ليبيا أمل الوفاق
بعد كثير من المراوغة والتحايل على وسائل الدخول إلى العاصمة طرابلس تمكن أعضاء المجلس الرئاسي الليبي من الوصول إلى عاصمة بلادهم في وسط اجواء مشحونة بالترقب وفي ظل حسابات كثيرة ليس اقلها واخطرها تنفيذ التهديدات التي صدرت من القوى المناوئة لها وهي سياسية وعسكرية ميلشياوية، توعدت السيد فايز السراج رئيس المجلس الرئاسي ومن معه من الاعضاء بالاعتقال، والسجن. وحذرت تلك الجهات وأبرزها سياسيا الحكومة المؤقتة أو حكومة عبدالله الثني التي كانت تحتكر الشرعية إلى ما قبل توقيع الاتفاق السياسي في الصخيرات، وحكومة المؤتمر الوطني او ما تعرف بحكومة طرابلس أو حكومة خليفة الغويل.الشخصية الليبية لا تختلف كثيرا عن الشخصية العربية في خطوطها العامة وتفاصيلها الرئيسة، وهي اجمالا ليست تلك الشخصية الموجدة للدعابة والنكتة، وبث روح السخرية والمرح، خصوصا في هذه الظروف العصيبة التي يعاني فيها الناس كثيرا من صعوبات الحياة اليومية ابتداء من مشاكل ندرة اكياس الدقيق المنعطف الرئيس في أزمة الخبز، وليس انتهاء بأزمة الصحة والمياه والكهرباء وغيرها من الخدمات الضرورية. ومع كل ذلك وجد الليبيون فرصة للتندر على مجلسهم الرئاسي والحكومة الذي من المتوقع أن تنبثق عنه بمجرد ان يمنح تصديق البرلمان "مجلس النواب" المعروف بمجلس طبرق، وسرت بين الليبيين والليبيات عبر وسائل التواصل الاجتماعي عبارات تتندر على حال الحكومة وطريقة تسللها من الخارج إلى الداخل، حيث وصفت بما يمكن ذكره مخففا للقراء بأنها الحكومة المتسللة أو المتخفية.نبض الناس، ونبض الشارع الليبي بعيد عن صراع اهل السياسة تصدى له كاتب ليبي في احدى المطبوعات المحلية، ومن رؤيته الخاصة، خاطب الجميع -أعني اهل السياسة- أن الناس تريد خبزا، وأن الناس تنظر للمجلس الرئاسي وعودته، وإلى ما سيتمخض عنه من حكومة على انه يد تمتد لغريق، لا يهم من يشرف على الغرق كيف تكون تلك اليد ولا يهمه لمن تكون. عنوان ذلك الحديث الطويل لأهل السياسة في ليبيا جاء على صيغة نعت لمن يمارسون التجارة ويتقاسمون الفساد حسب رأي الكاتب بأنهم أولاد ......، وصور رجل محترم جن بسبب طوابير الانتظار الطويلة للحصول على رغيف العيش، وفقد كثيرا من سمته ووقاره حيث راح يردد بين الناس "نبو خبزة يا أولاد ....".لم يمض على وصول المجلس الرئاسي إلى العاصمة وقت طويل، ومع انه ليست هناك احصاءات عن توجهات الناس ورضاهم عن مباشرة المجلس لدوره وانتشاره في العاصمة على شكل ملحوظ، إلا أن هناك اشارات عامة من الناس في طرابلس وفي المناطق المجاورة لها، وعبر عدد من الاعلانات من الجهات في الداخل تشير بوضوح إلى ان هناك قبولا ورضى عما حدث، وفي أغلب التقدير أن هذا الرضى قد يفسر بأنه إحدى صور الامل والخلاص الذي تبحث عنه الناس للخروج من دوائر الاوضاع المتردية.القبول والدعم الدوليان كانا حاضرين ولم يتأخرا كثيرا، حيث رحبت الجامعة العربية بهذه الخطوة وأكدت على ضرورتها، وعلى ضرورة ان يستغلها الليبيون للخروج من نفق المحنة. مع الوعود بتقديم الدعم الممكن من جانب الجامعة وأعضائها. الامم المتحدة هي الاخرى باركت هذه الخطوة من زاويتين، الاولى بإعلان المؤازرة لها وبإغفال اي تعامل مع جهات موازية تمارس عمل الدولة، والاخرى بالرد ايجابا على تصريحات رئيس مجلس النواب في ضرورة الحصول على توافق بين اعضاء المجلس على حكومة السراج المعززة من قبل الامم المتحدة، وهذه خطوة في طريق التهدئة، والسير الى الامام يضاف إلى ذلك تسمية شخصيات معرقلة للحل وفرض عقوبات دولية عليها. كما أن زيارة مبعوث الامين العام لبعثة الدعم في ليبيا إلى طرابلس مساء الخامس من هذا الشهر إلى طرابلس واجتماعه برئيس المجلس الرئاسي والأعضاء، كان خطوة تشير إلى ان الدعم يتوالى للمجلس الرئاسي، عزز ذلك اعلان الحكومة التونسية عن عزمها فتح سفارتها في طرابلس رغم كثير من المخاطر التي عاشها بعض الدبلوماسيين التونسيين في العام 2014-2015، ثم كان هناك الاعلان الفرنسي عن بدء الترتيبات لافتتاح السفارة الفرنسية في طرابلس كدعم سياسي للمجلس الرئاسي، ومن والمتوقع أن يبدأ عدد من البعثات الدبلوماسية الدولية خاصة بعثات الدول ذات العلاقة المباشرة بالازمة الليبية من المتوقع ان تبدأ بالعودة تباعا إلى فتح ابواب ممثلياتها في طرابلس.الأمور تسير وتتطور في طرابلس وعلى الارض الليبية اجمالا بحذر شديد، وفي ظل اجواء قابلة للانفجار في اي لحظة. واكبر العقد التي تشغل بال الداخل والخارج هي اشكالية القوة الامنية والمراوحة بين تسميتها بما دون جيش. والادوار المناطة بها لحماية المجلس الرئاسي، وحماية العاصمة، وحماية البلاد كلها. هذه المعضلة ستبقى في رأي كثير من المراقبين مهيمنة على مسيرة المجلس والحكومة والدولة، ولن تسير الامور بصورة قريبة من الطبيعية ما لم يوجد حل ناجع لها.