للنجاح آباء كثيرون
لبعض الأقوال والأمثال تأثير يُكتسبُ بالتقادم وكثرة التداول، يتقبل الناس تلك الأقوال على علاتها. وكأنها قاعدة ثابتة، مع أنها، وفي بعض الأحوال، الاستثناء وليس القاعدة. يقال مثلا: «وراء كلِّ رجل عظيم امرأة». وسأتحفظ أولا على صفة (العظمة) فأميز بينها وبين (الشهرة). أما التحفظ الثاني فهو: لماذا لا يكون العكس صحيحا، أي «وراء كل امرأة ناجحة رجل»؟ وأما التحفظ الثالث فيتعلق بالعبارة نفسها، حيث نسي القائل أن وراء كل رجل ناجح أو امرأة ناجحة استعدادا فطريا أو قابلية لتحقيق النجاح.للدعم أهميته، لكنه قد لا يثمر في غياب القابلية والاستعداد. فكأنك، والحال هذه، تنثر بذورا في أرض سبخة، أو كأنك تطرق حديدا باردا. تأمل، على سبيل المثال، وضْعَ أسرة ذات دخل محدود لا يكفي الحاجة، وبيت صغير متواضع لا يكاد يتسع لساكنيه، في عهدة أبوين أميين لا يعرفان أساليب التربية الحديثة، ولا يجيدان حين يرتكب الولد أو البنت خطأ ما إلا الصراخ والعقاب الجسدي المبرِّح. لا وقت لديهما للعناية بكل ولد أو بنت على حدة، فعدد الأولاد والبنات كبير. ومع ذلك يكبر الأولاد والبنات ويحقق بعضهم نجاحات مذهلة في كافة التخصصات، ويكبر الذين تربوا في بيوت مرفهة وأساليب تربوية حديثة وقد يحققون أو لا يحققون النتائج نفسها. ليس المقصود بذلك الدعوة إلى انتهاج الأسلوب الأول في التربية، ولا انتقاد الأسلوب الثاني. وإنما هي مجرد وقفة تأمل يمكن من خلالها الاستنتاج بأن الاستعداد يأتي في المقام الأول. أعود إلى المثل القائل «وراء كلِّ رجل عظيم امرأة». لأستدعي ما يقوله الملاكم الأمريكي مايك تايسون. فقد أقدم تايسون ذات يوم على الانتحار بالاصطدام بشجرة عملاقة نتيجة خلافات مع زوجته، لكن محاولته فشلت، وحين سأله أحد الصحفيين وهو على سرير المرض عن رأيه في العبارة القائلة: «وراء كل رجل عظيم امرأة»، أجاب متهكما: «صدقت.. وراء كل رجل عظيم امرأة تشدّه إلى الخلف». لكن تهكم تايسون ليس قاعدة يمكن البناء عليها أيضا. فهو تصريح مشحون بالانفعال قيل في لحظة غضب، وكان المراد من ذلك أن يصل التصريح إلى زوجته. إلا أن العبارة التي اعترض عليها تايسون ليست قاعدة أيضا. وعلينا أن نعرف الدافع إلى قولها والظروف التي قيلت فيها. الاستعداد أولا، وقد يتم وأد الاستعداد في مهده، فلا تجد الموهبة تربة صالحة للنمو والازدهار. وقد يصمد الاستعداد أمام كل الظروف الصعبة التي تواجهه كما تصمد نبتة برية فتنمو رغم الجفاف وشدة الحرارة. يعمل الناجحون تحت أي ظرف. عمل بعضهم اثناء مرضه، وبعضهم من معتقله، واتخذ آخرون من الفشل جسرا للوصول إلى الهدف، فيما يبحث بعضهم عن مشجب يعلقون عليه فشلهم. كانت أول (مكافأة) للكاتبة (هاريَت ستو) مؤلفة (كوخ العم توم)، صفعة على وجهها من اختها الكبرى التي ظنت أن محاولاتها الأدبية الأولى مجرد رسائل عشق إلى أحد الشبان. لكن الاستعداد والإرادة انتصرا في نهاية المطاف. ولم تكن (هاريَت ستو) أسوأ حالاً من الشاعر (إدغار ألان بو) ذلك البائس الكبير الذي عاش طفولة رثة، وعانى سوء المعاملة داخل البيت وخارجه. حتى الذكاء، قد يصبح طاقة معطَّلة إذا لم يصاحبه استعداد وطموح وإرادة. إنه طائر بلا أجنحة. أو كما يقول السناتور بيل برادلي: إذا كان الطموح هو الطريق إلى النجاح فإن الإرادة هي العربة.