مآثر «لولوة السالم»
الأمومة قيمة عظيمة ترتبط بالوجدان الإنساني بصورة فطرية باعتبارها ترتيبا إلهيا يحفظ النشء ويمنحهم الطاقة العاطفية التي يحتاجونها طوال حياتهم، وهي من الأهمية بما يجعلها باقية في النفس حتى مع فقدان الأم، فليس منّا من يحيا دون إحساس بتلك المرأة العظيمة الرائعة وهي تتدفق عطاء لا ينضب من العناية والحب وغير ذلك من مكتنزات النفس وقيمها النبيلة والجميلة.وتلك الأمومة من نعم الله التي تثري الكيان البشري، وتجعله متزنا، وهي ليست حالة استثنائية وإنما عامة، لكل أم أنجبت طفلا أو طفلة تأمل أن يكبروا ويصبحوا إضافة اجتماعية تبعث على الفخر والرضا بحصيلة إنسانية لها قدرها وقيمتها بين الناس، ولعل التباين في عطاء الأمومة يأتي في حجم الأثقال التي يمكن أن تضطلع بها المرأة حين تفقد زوجها، فمن تصبر وتحتسب وتعبر بأبنائها جسر الحياة الى بر الأمان تصبح مذهلة وأكثر مثالية بين الأمهات، خاصة إذا لم يتوفر لها القدر الذي يعينها من معرفة أو علم دراسي.مثال تلك الأم العظيمة، وهناك كثيرات على قياسها، يتمثل في الأم العظيمة (لولوة يوسف السالم) التي فقدها مجتمعنا السعودي يوم الخميس 22 جمادى الآخرة 1437 للهجرة الموافق 31 مارس 2016 للميلاد، وهو فقد يتماس مع كل معاني الفراغ الذي يتركه إنسان برحيله الى الدار الآخرة، إنه فقد لإحدى أعظم النساء اللاتي قدمن تجربة فريدة في تحمّل الأمانة التربوية والإنسانية، فقد فقدت زوجها وعائلها مبكرا في ريعان الصبا وعلى عاتقها ثمانية أبناء صغار، استطاعت بحكمة وكياسة فطرية أن تخوض بهم بحر الحياة بعصامية مدهشة، تلك هي لولوة السالم، صاحبة أكبر معاني الحبّ والعطاء والحنان والتّضحية.مثالية الراحلة السالم تتجسّد في قدر العطاء والجهد والتضحية التي قامت بها، فقد حملت أبناءها كما يفعل أقوى الرجال وأكثرهم صلابة، استدعت كل طاقتها وحكمتها في تربيتهم وإيفاء الأمانة التي أعانها الله عليها نظير صبرها وجلدها الذي قلّ أن تطيقه امرأة، وهي لم تنظر مقابلا لكل ما فعلت وإنما قدمته بكل الحب الذي عليه حال الأمومة النقية، فكانت - رحمها الله - سبباً في نجاح خمسة رجال واخواتهم الثلاثة في معترك هذه الحياة، وكان مستقبل هؤلا رهينا لمثابرة أمهم (لولوة)، التي كانت الحارسة لهم حيث لا حرس، وكانت عوناً لهم في هذه الدنيا بعد أن فارق زوجها الحياة وهي في الثلاثينات من العمر، وأصبحت حينها كل حياتهم وهم كل حياتها. كان زوجها عبدالرحمن الحماد - رحمه الله - قد أعدها لهذه المهمة قبل وفاته، وتلك روح نادرة من المسؤولية التي انعكست في ثراء الأبناء النفسي والعقلي والاجتماعي، فكبروا بكل القيم الجميلة التي تتوافق مع ما حصلوا عليه من جرعات تربوية فاضلة من أم لم يتسن لها أن تقعد في مقاعد الدرس، وإنما درست في مدرسة الحياة الواسعة، ونجحت فيها بامتياز لتقدم عصارة دراستها ودرسها لصغارها وهم يكبرون أمام عينيها بما يجعلها تفخر بأمانتها التي حافظت عليها حتى آخر يوم في حياتها، فربح بيعها، لأنها أحسنت الاختيار والقرار بحكمتها عقب وفاة زوجها، حيث رفضت العودة إلى أهلها في الرياض، وآثرت البقاء في الأحساء لتكمل مشوار تربية الأبناء، وفعلت حتى تخرجوا من الجامعات، وكانت الام التي تربي وتهتم بالاطفال وتسهر على راحتهم وتتابع صحتهم وتعليمهم، وتفكر في مستقبلهم، فهي في الواقع لم تكن أماً فحسب... بل كانت (أمةً) بتمامها. لم تدع تلك الأم العظيمة أبناءها لرياح التهاون في واجباتهم والتزاماتهم الدينية والاجتماعية والدراسية، وإنما ظلت على رباط في تربيتهم بصورة دقيقة تثير الدهشة، فهي رغم أنها أمّية إلا أنها كانت تتابع مع صغارها واجباتهم المدرسية بحيلة ذكية من خلال إيهامهم بمتابعة فروضهم وكأنها تعرف ما يفعلون، كانت بصيرتها تبصر الدنيا من حولها وتضيء لهم الطريق، وحين كان أحد الأبناء يتهاون في أداء أحد فروض الصلاة ولا يؤديه في المسجد، تضطرّ الأم (لولوة) لمعاقبته، بطريقة انسانية جذابة تأخذ به لبَّ الصبي، وكان أقسى ما تصل اليه هذه الأم الحنون هو كلمة (أنا زعلانة عليك).. وهنا يقوم الابن باستجداء نظرات الرضا من عينيها، وهكذا أصبح الأبناء والأحفاد يلازمون الصلاة في المساجد. ظل قلبها الكبير كعود المسك كلما احترق فاح شذاه وعطر وجدان أبنائها، وقد ربّت هذه الأم الفاضلة خمسة رجال، أحدهم صديقي عبدالعزيز عبدالرحمن الحماد، الذي يعكس روح الأخوة والمودة والعلاقة الإنسانية التي تكشف عن غرس رفيع وجميل من لدن تلك الأم المربية، التي بنت بيتا على نسق البيت المسلم بكل أركانه وقيمه الفاضلة.. فرحمك الله أيتها الأم والمعلمة الفاضلة وأسكنك فسيح جناته.. فقد ذكرتني مآثرك بأمي وتربيتها لي "رحمها ورحمك الله" ... (إنا لله وإنا إليه راجعون).