خليل الفزيع

صديقي الراحل.. قدوة حسنة

بعد معاناة شديدة وطويلة مع المرض، انتقل إلى الرفيق الأعلى، الصديق إبراهيم بن محمد الثاني.. أحد الأصدقاء الذين أكن لهم محبة خالصة، وامتدت صداقتي به منذ ما يزيد على نصف قرن عندما كنا طلابا في المعهد العلمي بالأحساء، الذي ضم نخبة خيّرة من الطلبة.. ولجوا بوابة الأدب في وقت مبكر من حياتهم، وتوطدت صداقتنا مع مرور الزمن، بعد انتقاله للدراسة ثم العمل في الرياض، حيث التحق بالدراسة في كلية اللغة العربية، ثم بالعمل في وزارة الداخلية، وقد كلف لسنوات بإدارة هيئة مشروع تطوير فيفا، وعمل في إدارة السجون وبعدها مستشارا بالوزارة، وخلال عمله بالوزارة كانت له اهتماماته الصحفية، حيث التحق بالعمل في مجلة اليمامة، ثم تولى الإشراف على مكتب جريدة اليوم بالرياض، متسلحا بثقافة واسعة في شئون الثقافة والحياة، وكان -رحمه الله- شديد الاعتزاز بالأدب العربي دون تعصب، وهو كثير الاستشهاد بأشعار وقصص العرب، كتب كثيرا عن حقوق الإنسان، وشارك في العديد من المؤتمرات الإقليمية والدولية ضمن وفود وزارة الداخلية المشاركة في تلك المؤتمرات، وخاصة ما يتعلق منها بحقوق الإنسان، وقد صحبته في بعض رحلاته، والرحلات عادة تكشف معدن الإنسان، ووجدته في هذه الرحلات نعم الرفيق الذي يجد لذة في خدمة غيره.. والبذل بسخاء على من يصادفهم من فقراء تلك البلاد، وكان -رحمه الله- متفائلا بالحياة والناس، ولم تهزمه الأحداث التي مرت به بوفاة نجله الأكبر سامي، ثم رحيل رفيقة دربه -رحمهم الله جميعا-، وظل على تفاؤله حتى رحيله. قبل أسبوع كانت بيني وبينه مكالمة رغم ظروفه الصحية الصعبة، تحدث كما هو قبل إصابته بالمرض، حديثا جليا ضافيا عن الثقافة والشعر، دون أن يعتريه وهن من المرض أو ضعف من المعاناة. وكان يتهيأ للسفر إلى ألمانيا للعلاج، لكن الأجل المحتوم لا يعرف التأجيل، ولا يعترف بغير أمر الله -سبحانه وتعالى-. والصديق إبراهيم بن محمد الثاني من أسرة عريقة في الأحساء، أسهم رجالها في بناء نهضة الأحساء الحديثة، وتجمعها قرابة قوية مع أسرة آل ثاني حكام قطر. كما أخبرني رحمه الله، فهو تميمي كما يرى المؤرخون في انتساب أسرة آل ثاني إلى بني تميم، ولكن الإنسان يحسب بعمله، وقد كان الراحل من ذوي الأعمال الطيبة ولا أزكي على الله أحدا. عزيز النفس.. كريم اليد.. طيب المعشر.. حفلت سيرته بجميل الأعمال، والحرص على الأصدقاء، والسؤال عنهم إذا غابوا، وتفقد أحوالهم إذا خانتهم الظروف، وما التقيت به يوما إلا وكانت أسئلته تترى عن الأصدقاء الذين جمعتنا بهم ظروف الدراسة أو العمل، وذلك في سياق حديثه الذي تسيطر عليه شئون الثقافة والمثقفين في القديم والجديد، فهو مسكون بالهم الثقافي، ومستجداته وتحولاته الفكرية المعاصرة.وعندما أقول إنه قدوة حسنة؛ فلأنه كان حريصا على أسرته، شديد التعلق بها، كما كان حريصا على تربية أبنائه تربية صالحة، وهو في عمله كثير العناية بما يوكل إليه من مهمات، فالعمل لديه مقدم على كل علاقاته بالآخرين، وهو يرى أن لقاءه بأصدقائه قابل للتأجيل، لكن العمل غير قابل للتأجيل، لأنه يتعلق بمصالح الناس، وهو في كل الحالات شديد الإيمان بالله.. يراعي ربه ويخشاه، ويتوكل عليه في السراء والضراء، ولم يكن مرضه الأخير لينال من جميل صفاته، بل زاده إيمانا بقضاء الله وقدره، فلم يجزع ولم ييأس من رحمة الله، بل كان الأمل التفاؤل من الصفات التي لم تفارقه في مرضه، كما هو في عافيته. رحمك الله يا أبا سامي وجعل الجنة مثواك، وإنا لله وإنا إليه راجعون.