يوتوبيا «ترامب» وأمراض المرشح الجمهوري
أحد المرشحين الجمهوريين في الانتخابات الأمريكية، يدعى (دونالد ترامب)، أثبت للعالم بما لا يدع للشك طريقا أن بعض الجمهوريين لا يحترمون البشر الآخرين، فهذا المرشح العنصري لم يحترم حوالي 2 مليار مسلم، الذين يشكلون حوالي (23%) من مجموع سكان العالم، ولم يحترم المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية الذين يبلغ عددهم حوالي (10) ملايين، منهم (23%) ولدوا في الولايات المتحدة، ومنهم أكثر من 10 آلاف ملتحقون في الجيش الأمريكي، لم يحترم كل هؤلاء، عندما فقد الفصاحة في اللسان والبلاغة في القول وأعلن تصريحاته العنصرية التي مفادها : إن المسلمين يكنون (كراهية) للولايات المتحدة وينبغي منعهم من دخولها، كما قال: إنه ينبغي على الولايات المتحدة رفض استقبال اللاجئين السوريين. أعرف أن معلومات الكثير من الأمريكيين عن ثقافات وشعوب العالم محدودة للغاية، ولكن لم أتوقع أن في أمريكا حوالي 40 مليون أمي، وأن 14% من المواطنين الأمريكيين البالغين لا يجيدون القراءة والكتابة، إلا بعد سماعي للتصريحات العنصرية التي أطلقها هذا المرشح، وهي تصريحات لا تليق بمثقف من ضمن المرشحين لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، وتتنافى مع القوانين الأمريكية المتعلقة بالهجرة إلى أمريكا؛ لأنها قوانين لا تفرق بين الديانات، ثم إن تصريحاته العنصرية الهوجاء عبرت عن الثقافة الاجتثاثية الاقصائية التي تتنافى مع مبادئ الولايات المتحدة منذ تأسيسها؛ لكونها مجتمعا من المهاجرين، وذوي خلفيات وثقافات مختلفة، لذا أثارت هذه التصريحات عاصفة من الانتقادات حول العالم، حتى أن قادة الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة أدانوا تصريحاته بشدة؛ لأنها تعادي الإسلام والمسلمين، وتقوض الأمن القومي الأمريكي. وفي هذا قال رئيس مجلس النواب بول رايان: «إن ما طرحه ترامب لا علاقة له بمبادئ الحزب الجمهوري، والأهم من ذلك أنه ليس له علاقة بمبادئ هذه الأمة». الأمم الحية تهتم بالبنية التحتية وبالبنية الفوقية معاً؛ لأن البنية التحتية تتعلق بالإنتاج المادي، والبنية الفوقية تتعلق بالإنتاج الفكري، ولكن يبدو أن الجمهوريين لم يهتموا بالبنية الفكرية للمنتمين إلى حزبهم، بدليل ما صرح به (ترامب)، ولا أقول في هذا الحدث الجلل إلا ما قاله شاعرنا العربي: لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ يُسْتَطَبُّ بِهِ إِلاّ الحَمَاقَةَ أَعْيَتْ مَنْ يُدَاوِيهَا يبدو أن (ترامب) تشبع بنظرية (صدام الحضارات) التي جاء بها (هنتنجتون) وقال فيها: (إن المشكلة الأساسية التي تواجه الغرب ليس الأصولية الإسلامية، ولكنها الإسلام نفسه)، لدرجة أن هذه النظرية أثرت على مجمل أفكار وتصريحات (ترامب)، وربما أنه لم يطلع على مقولة (آنا إلينور روزفلت)، الزعيمة السياسية الأمريكية، رئيسة لجنة صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في هيئة الأمم المتحدة، التي قالت: (العظماء يناقشون الأفكار، والعامة يناقشون الأشياء، والعقول الصغيرة تناقش الأشخاص)، وقد يكون هذا المرشح الجمهوري مصاباً بمرض (البارانويا)، أو جنون الارتياب، وهو اضطراب عقلي يتميز المصاب به بخصال أبرزها الشك، والارتياب، والحسد، وبإساءة فهم أية ملاحظة أو إشارة أو عمل يصدر عن الآخرين، أو قد يكون مصاباً بمرض انشطار الشخصية، المسمى الفصام (الشيزوفرينيا)؛ لأن تصريحاته التي أطلقها ضد المسلمين تتسم بانفصام واضح بين العاطفة والفكر، وتصرفاته تنم عن سلوك مغاير لسلوك بقية أعضاء الحزب الجمهوري، وفيها عدم اهتمام بالعالم الخارجي الواسع، وهي تعبر عن نزعته إلى الانكفاء نحو عالمه الضيق الخاص به، وهذه جميعها تنطبق على المصاب بالفصام، وهذا -لعمري- ما نلحظه في تصرفات وتصريحات (ترامب). وأظن أنه من المنطق والمعقول أن نطلق على تصريحات (ترامب) الأخيرة المتعلقة بالمسلمين (يوتوبيا ترامب)، واليوتوبيا تطلق في السياسة على ما يعتقد أنها إصلاحات (مثالية) يصعب تحقيقها عمليًا، كمطالبة هذا الجمهوري بمنع دخول المسلمين إلى أمريكا.