حسن السبع

«كلام كبير أَوِي»!

«ده كلام كبير أَوِي»! عبارة يقولها إخواننا المصريون إذا صعب على المتلقي فهم الكلام، وتقال أيضا اعتراضا على من يخوض في مسائل لا تتناسب مع موقعه أو ثقافته. الأمثلة على ذلك كثيرة، ففي المجالس الخاصة، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي ستجد -دائما- من يتكلم في غير فنّه. وستجد، كذلك، ميلا للخوض في قضايا لا يدرك المتكلم أبعادها، ولا تعنيه من قريب أو بعيد؛ إما لجهله بأنها لا تعنيه، أو للتظاهر بمظهر المحيط بخفايا الأمور. يتبناها المتكلم وكأنَّه جزء منها، أو كأنه واضعُ أجنداتها. مع أنه «لا ناقة له فيها ولا جمل» كما يقولون. لذلك، قد تجد صبيا مراهقا يدخل من بوابة هاتفه المحمول إلى مواقع التواصل الاجتماعي، ليدلو بدلوه مرددا بشكل «آلي» ما يسمعه دون نقد أو تمحيص. ولا اعتراض على ذلك لو أنه مارس تلك الهواية الببغائية بعبارات راقية مهذبة. لستُ حكيم زماني، لكن إذا جاز لي أن أقترح على هذا الشاب اهتمامات مغايرة لذلك العبث، فسأقول: ألا تكفي تلك الثرثرة الدائرية في المجالس والمنتديات الخاصة لإشباع رغبتك في الاستعراض؟ ولماذا تصر إلا أن تضيف على طريقة سرحان عبدالبصير؟ حتى سرحان عاد إلى أرض الواقع، فعرف قدر نفسه، واستدرك قائلا: «دا أنا غلبان»! لماذا لا تحذو حذوه فتترك مهمة السجال في تلك القضايا لأي (روبوت) مُبَرمَج يتكسب من الفضائيات. لماذا لا تملأ وقتك الذي تهدره في اللجاج مع محبي التلاسن الإلكتروني بما هو مفيد، كأداء فروضك المدرسية، وشدّ الهمة للحصول على معدّل يؤهلك لدخول الجامعة من أوسع أبوابها. أما إذا كنتَ ترى أن لديك فائضا من الوقت، فحاول أن تفاجئ بابا بتنظيف سيارته، أو حاول الاعتناء بحديقة المنزل، أو أدخل البهجة إلى قلب أختك التي بح صوتها وهي تطلب منك إيصالها إلى أحد المجمعات التجارية. وتذكر أنك قد تحتاج إليها يوما ما للدخول إلى مجمع تجاري لا يجيز دخول العزاب. يمكنك، كذلك، استثمار ذلك الوقت الفائض بالانضمام إلى أي عمل تطوعي يخدم مدينتك ومجتمعك. هل تريد مزيدا من المقترحات؟ إذا كانت الإجابة بـ (نعم) فما رأيك في الانضمام إلى دورة تدريبية في القيادة المثالية، تتعلم خلالها أن القيادةَ فن وذوق وانضباط وأخلاق، أي على النقيض مما تمارسه يوميا أثناء قيادتك للسيارة. هل تعلم أنك "كارثة" تمشي على أربع عجلات؟ ثم أليس من الأَولى أن تبدأ بتوعية نفسك قبل أن توزع الحِكَم والأمثال والمواعظ والأقوال على الآخرين عبر مواقع التواصل الاجتماعي؟ أما إذا كنتَ مصرّا على المشاركة في ضجيج ذلك (الهايد بارك الإلكتروني)، فتناول مواضيع تقع في دائرة اهتماماتك المعروفة. كالحديث عن السيارات المعدَّلة، وناديك الرياضي، وآخر أخبار نجوم ريال مدريد، وآخر ألبوم للمطرب شعبان عبدالرحيم، و"تقليعاته" الغريبة، وبِذَله ذات الألوان الصارخة. هذه ليست دعوة للانكفاء على الذات، وتجاهل ما يدور حولنا من أحداث لها تأثير مباشر على حياتنا، بل اقتراح بترشيد استخدام الجهد والوقت واستثمارهما بطريقة ذكية. لأن كثيرا من ذلك اللغط الإلكتروني هو مجرد سجال متشنج غير منتج، ولا يعبر عن وعي سياسي. اسأل دائما، يا صديقي، عن جدوى أية عبارة تكتبها، ما قيمتها؟ وما تأثيرها؟، فلا الكلامُ من فِضَّة ولا السكوتُ من ذهب إلا بقدر ما يحمله الكلام أو الصمت من معنى.