د. طرفة عبدالرحمن

أزمتنا مع الغضب والهياط والرفقاء..

نقلت إحدى الصحف الالكترونية وبعض وسائل التواصل الاجتماعي قضية الشاب الطالب الذي حكم عليه بالقصاص نتيجة اقدامه على قتل طالب آخر في مكان خارج المدرسة تحت تأثير نوبة غضب و(هياط) كما جاء في الصحيفة.. اللافت في الخبر والمحزن أيضا أن الشاب الطالب الذي أقدم على جريمة القتل المذكورة، كان طالبا متميزا ومتفوقا بحسب وصف معلميه، ومعطيات هذه الواقعة بشكل عام ومن خلال مضامين الخبر الذي تم تداوله نندفع إلى التساؤل عن طبيعة أو نوع الهياط الذي كان الشاب المتفوق تحت تأثيره حين أقدم على جريمته؟ فهل كان بفعل تشجيع وتحدي الزملاء المرافقين له لإثبات قوته أو بعض قدراته مثلا؟ فالخبر يذكر ان الطالب كان يعود بشكل يومي مع أخيه الكبير حين خروجه من المدرسة عدا ذلك اليوم الذي وقعت فيه الحادثة فقد تأخر عنه مما اضطر الطالب المذكور إلى الذهاب مع مجموعة من رفقائه الذين اوصلوه لمكان الجريمة التي حدثت نتيجة اعتداء الطالب المذكور على آخر بحجر على رأسه.. ولا أعلم حيثيات الحدث بالتفصيل لكني ارى ان هناك نوعا من الرفقة السيئة كانت عاملا مساعدا في وقوع ذلك الموقف الأليم. عموما نحن في هذا الموضوع أمام ثلاث اشكاليات تهيكل تفاعلنا العاطفي والنفسي مع الآخرين ومع واقع حياتنا، وهي "الغضب" والرفيق "الصاحب" وتأثيره على سلوكنا، و"الهياط" المرادف لمفهوم التمظهر أو حب المظاهر.. فالغضب رغم تواتر ادانته من أغلب الناس إلا أن معظمنا لا يمكن أن يسيطر عليه بسهولة، رغم ايماننا بالأحاديث النبوية الذامة له.. وأعتقد ان المسألة هنا تتعلق بكثرة ضغوط الحياة والطرق الصحيحة لإدارة الانفعال والتعاطي الأمثل مع المواقف المستفزة. أما قضية الصاحب أو الصديق فهي قضية مهمة لا تتعلق فقط بقضية الإفساد أو الإصلاح الأخلاقي الذي يترك تأثيره عليك إنما أمر آخر يتعلق بمصير سعادتك وحزنك أحيانا، فعلى سبيل المثال هناك فئات عمرية تجاوزت مرحلة التأثير الكبير الذي تحدثه الرفقة السيئة -كالذي يحدث في مرحلة المراهقة مثلا- لكن هذه الفئة تتعاطى مع رفاقها بشيء من الانعكاس النفسي فالواحد منا يتأثر بالطاقة السلبية التي يبثها لك صاحبك في المواقف المختلفة وليس هذا فحسب بل ان ظاهرة الهياط التي وردت في الاشكاليات السابقة كانت محصلة لرفقاء بثوا فينا جانب التنافس في كماليات ورفاهيات الحياة حتى بات الكثيرون لا يفارقون حلبة الصراع والتحدي في التمظهر بالهندام والسفر واقتناء السيارات والبيوت، حتى لو كان الثمن قروضا وميزانيات مرهقة.. الخلاصة يجب ان نتعمق في فهم مشكلاتنا الصغيرة والكبيرة بشيء من التحليل والتأمل بكل صدق مع الذات، ولا نستقي الفهم فقط من أولئك المحللين النفسيين او الاجتماعيين، ففي كل واحد منا قدرة إلى حد معين تمكنه من فهم تفاصيل سلوكه الاجتماعي، وتجعله إلى درجة معينة واعيا لحسن التصرف والتعاطي مع كل ما يعزز طاقته الايجابية أو السلبية.. فلا غضب مع سوء عواقب، ولا رفيق يبث فينا الهم والقلق، ولا هياط وتمظهر يهوي بميزانيتنا وحسن تدبير عيشنا.. سنتجاوز بالفهم ذلك الطرح التقليدي الذي يختزل قضية رفقاء السوء بتحميلك الذنوب او الإفساد الأخلاقي، ويختزل قضية ترشيد الاستهلاك المالي بتحريم الاسراف فقط بعيدا عن فهم معززاته الاجتماعية وسطوة التقليد عليه وحب المجاراة والتمظهر فيه.