سالم اليامي

ليبيا النهايات

يدرك من يمتهن الكتابة أن كلمة قد تجر إلى معنى، وان بعض المعاني قد تقود إلى أفكار وهناك أفكار وموضوعات يقف أمامها المرء سواء أكان قارئا أم محللا ومتابعا، أقول يقف أمامها في حالة من عدم الاتزان لأنها تخفي وراءها الكثير من الامور والتطورات التي يمكن حدوثها ولكن الجميع يخشى ذلك الحدوث ويتمنى ان لا يكون، ويتهيب عواقبه.السيد مايكل هايدن رئيس وكالة الاستخبارات الأمريكية السابق قال هذا الأسبوع: إن هذه الفترة الزمنية من عمر منطقتنا أي الشرق الأوسط ستشهد تغيرات "تكتونية" وفسر ذلك بأمور عدة، تتعلق بالقانون الدولي، وتبدل بعض الاتفاقيات التاريخية وانهيار بعض الحدود الدولية التي رسمتها تلك المعاهدات. ثم حدد النقاط التالية: أولاً، سوريا والعراق كوحدات سياسية، بشكلها التقليدي لن تعود موجودة! ثانياً، الدولة اللبنانية ستفقد ترابطها. ثالثاً، ليبيا انتهت منذ فترة. وضمن سياق الحديث الطويل للرجل يُفهم عموما أن جزءا من هذه الرؤية التكتونية التي افرزتها الحالة الكونية المسماة "الحرب على الإرهاب" والتي يظهر في مواجهتها فريقان، امريكا والدول الكبرى، ويقتصر مجهودها على القضاء على المجموعات الارهابية الموجودة والمتوقعة عن بعد وعبر الضربات الجوية فقط، وهناك جهات أخرى ومن المؤكد انها دول عربية عليها ان تخوض معركتها المباشرة على أرض الواقع؛ للقضاء على الارهاب الذي يخطط للقضاء عليها. بعيد عن هذه التصورات الصادمة، وبغض النظر عن صدقها وجديتها، يمكن النظر إلى هذه الرؤى من مسؤول أمريكي بأنها ليست الاولى فقبل مدة وخلال حديثه عن الوضع السوري اشار وزير الخارجية الامريكي بوضوح إلى أنه إذا فشلت الجهود التي تبذل لوقف الاعمال القتالية في سوريا ولم ينجح الانتقال السياسي الذي تسعى لإتمامه الامم المتحدة، فقد يكون هناك موقف امريكي اكثر شراسة!! يقود إلى تقسيم سوريا. أدق كلمة -تعبيرا ومعنى- فيما نقل عن السيد كيري هي الشراسة. إذن صناع السياسة في القوى الكبرى يبشرون بمستقبل متصور، ويصفون للعالم طعم الحساء قبل شراء اللحم وطهيه.على الجانب الاخر يبدو الوجه العام للازمة في ليبيا مليئا بالجفاف والتقشف في الممارسة السياسية والأمنية وفي القدرة على التواصل بين الليبيين أنفسهم. كم يذكر القارئ هذا الجفاف في مختلف جوانبه ببلدة الطَيَبة في رواية النهايات للمرحوم عبدالرحمن منيف، القحط والبؤس كان نصيب هذه البلدة التي لم تسعفها الاقدار ببناء سد فيها يعيد للناس الحياة. ويحمي البلدة وأهلها من الزوال. الطيبة كما صورها عبدالرحمن منيف في فضاء عائم غير محدد بزمن او حقبة وأظنها على قساوتها أفضل من هذا الزمن التكتوني. ولعل أفضل الأخبار المتوفرة حول مداولات حكومة الوفاق الليبية المنتظرة، ما اعلن عنه بوساطة مصرية في لقاء جمع رئيس مجلس النواب، ورئيس المجلس الرئاسي تمخض عن البحث عن خارطة طريق تقوم على التصويت على الاعلان الدستوري الذي يعتبر الدستور الليبي المؤقت للمرحلة الانتقالية، ومن ثم اجتماع اللجنة الخاصة بالحوار السياسي للنظر في وضع المجلس الرئاسي وتقليص الاعضاء فيه الى ثلاثة فقط. هذا ما تم انجازه بوساطة مصرية، في الوقت الذي تأمل دول الجوار في ان لا تتطور الامور في ليبيا إلى ما هو أسوأ فالجميع يدعم فكرة حل سياسي، ويؤيد ولادة حكومة وفاق وطني، ويرفض التدخل الاجنبي العسكري. وحول التدخل تؤكد المصادر في دول الجوار انه ممكن بشرطين، الأول أن يكون بإرادة الليبيين! ثانيا، أن تكون دول الجوار مطلعة على تفاصيله. وهذا يعني ضمنا ان التدخل أصبح واقعا، وان العالم ينتظر من حكومة الوفاق أن تستصرخ العالم لمساعدتها في القضاء على الجماعات الارهابية. ليتم بعد ذلك كل شيء بشكل آلي. ومع كل هذه الاشتراطات النظرية تبقى هناك مسائل اكثر خطورة ستواجه الحكومة المرتقبة من حيث قدرتها على فرض سلطة الدولة على الفصائل والميليشيات التي تملأ البلاد. يضاف إلى ذلك بُعد لا يقل خطورة عن البعدين الامني والسياسي وهو البعد الانساني الذي كشفت عن جزء منه تقارير دولية عبر لجنة حقوق الانسان للأمم المتحدة حيث اتهمت كل الاطراف المتناحرة في البلاد الليبية بأنها اقترفت أعمالا قد ترقى إلى جرائم الحرب. التقارير التي نشرتها الامم المتحدة مؤخرا تركز على الفترة 2014-2015م والتي شهدت ممارسات منها الاغتيال، والإعدامات بدون محاكمة للمدنيين، وعمليات الخطف، وحالات التعذيب. أمر اخر مفزع تطرقت اليه التقارير وهو أن عدد المعتقلين التقريبي يفوق 9 الاف انسان. بدون أدنى ضمانات قانونية. ولمختلف الشرائح الاجتماعية من النساء والأطفال والمهاجرين. في احدى الوسائل الإعلامية المغاربية تحدث ناشط ليبي قبل مدة، حول الاوضاع الانسانية فقال بألم: إن السجناء يتعرضون للتعذيب، ويمنعون من الزيارة، وأن منهم من مات تحت التعذيب. الأخطر وصف ذلك الناشط من يديرون ويشرفون على هذه السجون بأنهم عصابات مسلحة.الزمن التكتوني، حسب البشارات الدولية، واقع تتغير فيه مظاهر البلدان بوحشية، رفض ذلك الواقع مأساة، لا قبل للناس بها، والقبول به وجه آخر للمأساة ذاتها. ![image 0](http://m.salyaum.com/media/upload/4fb63f721db294939aac6d0a3833255e_61.jpg)