د. محمد حامد الغامدي

رؤيتي في «دبي».. «اللوحة»

 وقفت أمام برج خليفة.. ساحة تعج بالنّاس.. من عرب وعجم.. غابة أبراج.. عالية الهمة.. أسواق ومطاعم.. تسندها الموسيقى الجاذبة.. كراسي تنتظر.. أعلام ترفرف.. كاميرات الجموع تسجل المشاهد.. تحبس اللحظة.. ابتسامات.. بكل أشكال الطيف البشري.. كنت مكشوف الرأس.. وسط الجموع.. بشعر أبيض عربي.. معكوف النهايات.. كان يعيش.. مثلي.. حالة سماء ساحة البرج.  خرجت في ساحات وميادين (دبي) مكشوف الرأس.. أعطيت لشعري الأبيض الطويل.. أفضلية لحظات سياحية دون رقيب.. لم يسألني أحد وينتقد.. لم يستنكر أحد ويعظ ويحتج.. الأصل أن يكون رأسي بدون غطاء.. وشعري بدون قص وجز.. هل ربيته لهذه اللحظة الزمنية.. لحظة نافرة في حياتي؟!.. لحظة وظفتها لعالم (دبي) الرائدة. تركت شعري الأبيض يستمتع بما أرى ويرى.. كان بلون أسود في زيارته الأولى.. أصبح أبيض.. ناصع البياض.. في زيارته الثانية.. مقارنة بين زمنين في شعر رأس واحد.. كان فخورا بماضيه.. منتصرا بحاضره.. نفسي الشابة والمتجددة.. مزهوة بهذا الشعر الأبيض النّافر.. فريد في عالمي الخاص.. فخور بسنين تحوله إلى الأبيض.. رسالة سلام أقدمها للعالم.. رمز سلم لشعوب العالم في (دبي).. مدينة اللحظات التي تحصد الرسائل.. وتجمعها.. وتعيد بذرها قصصا وحكايات. رسالتي مجد.. وفخر.. وتباه.. وفي تلك اللحظة.. جميع النّاس.. لا يرون عقلي وما يحمل.. لكنهم يرون شعري وما يحمل.. تقاسيم مؤشرات سنين كفاح مضت.. هذا الشعر الأبيض خير شاهد.. احتفلت به في (دبي).. احتفلت (دبي).. احتفل كل من في (دبي).. احتفلوا دون علمي وعلمهم.. الشعر الأبيض وصاحبه قصة حياة.. أتاحت لي (دبي) الفرصة.. أن استعرض أمام نافورة الماء المتحرك.. بكل نغمات العالم. أنوار الليل ترحب.. جمال الإضاءة.. تنسيقها يداعب الخيال.. تزيد مساحة الاطلاع على وظائف الأشياء في (دبي).. كل شيء بوظيفة.. ودور.. وأهمية.. حتى شعري الأبيض وظّفته (دبي) لصالحها.. ظهر للعالم في (دبي).. يا لروعة المكان الذي يعطي لك قيمة.. ويرفع من الشأن.. هكذا كان يحدثني شعري الأبيض.. رفيق الدرب الأصيل. نقلتني (دبي) إلى مضارب بني عبس العربية.. تذكرت عنترة القوي.. تذكرت أخاه شيبوب المُنهك.. تذكرت امرؤ القيس.. يسرد للزمن.. حكاية تعلّق قلبي.. تذكرت حشود داحس والغبراء.. كأني بين الجموع البشرية في (دبي) أخطب فيهم.. خطبة جدي الحطيئة.. وجدي الفرزدق.. وجدي جرير.. لم أكن مسجونا.. لتحكي لكم اليمامة قصة حزني.. كل الأبواب مفتوحة أمامي.. لأردد: الله أكبر.. (دبي) تركت لي مجال الإبحار في كل اتجاه.. طليقا.. حرا.. في سماء الأرض العربية.. دون تحفظ.. كنت أبو تمام والمتنبي.. كنت نفسي مزيج تاريخ العرب وخلاصته. من ساحة برج خليفة.. رأيت معالم أجدادي في الأندلس.. وقفت على رؤية شيدت قصر الحمراء.. رأيت نفسي أعانق جبال أطلس.. رأيت كل العواصم العربية.. رأيت أول جامعة عربية.. تنبت الصحراء.. رأيت قوافل شهداء تحرير الجزائر.. رأيت قوافل نساء العرب.. يبنين.. يربين.. يجاهدن.. تذكرت فلسطين.. استعرضت نكسات العرب وانتصاراتهم.. تذكرت بلاد العرب أوطاني.. تطل على مياه بحار.. لا تختلف عن مياه (دبي).. تذكرت استاذي (عثمان الشاعر).. في المرحلة المتوسطة.. من القدس.. صاحب رسالة.. زرع الحب للوطن العربي في قلبي.. كأنه (دبي) في عظمتها. ماذا فعلت يا (دبي)؟!.. حركت مشاعر عربي.. أتاك بعد ثلاثة عقود.. بشعر أبيض.. أضناه الهمّ العربي وتخلفه.. (دبي) أعادت لي سلوك الحياة السّوي.. المفعم بكل صنوف الآمال.. والطموح.. والتفاؤل.. وقد أعتقد بجفاف ينابيعه ومنابعه.. جعلتني أتطلع للحياة من جديد.. بنفس أقوى من الصخر صلادة وكبرياء.. سمعت عن (دبي).. فشددت الرحال.. كنت أبحث عن بلسم الشفاء.. وجدت (دبي) وأهلها بلسم العرب لمن أراد. رأيت جميع أهل (دبي) في كل برج.. وقع عليه النّظر.. رأيتهم لي يلوحون.. يرحبون.. كنت أحسب نفسي وحيدا صامتا يتطلع.. بدأت أرسم نفسي نقشا في كل برج.. نجحت.. أبدعت.. تجاوزوا مراحل المعاناة.. حولوها إلى مشاهد صامتة في متحف الحضارة.. رأيت قصة كفاح شيدت.. شاهدت خارطة أمجاد لهم رؤية.. أي تنمية حصدوا.. أي نقش أبدعوا. هذه رؤيتي.. ومشاعري.. ومشاهدي.. لا أسرار في الزمان والمكان.. (دبي) جعلتني استدعي فواصل حياتي.. شرّحتها أمامي.. كنت أتطلع منذ الصغر.. هذا ما جعلني أردد: وردك يا زارع الورد.. فتّح ومال على العود.. وردك يميل ويقول.. من في الجمال قدّي... صبّح صباح الخير.. من غير ما يتكلّم.. ولمّا غنّى الطّير.. ضحكلنا وسلّم. ويستمر المقال. ![image 0](http://m.salyaum.com/media/upload/d7f76f4d33f0e2709838ff7c91b4c611_46.jpg)