سالم اليامي

ليبيا ما بعد الغد

في الشتاء يكون للهدايا طعم آخر، ومذاق يأتي ممزوجا بالدفء، خاصة إذا كانت الهدية كتابا يتحدث عن موضوع كان ولا يزال وربما يظل ساخناً. صديق رائع قدم لي مشكورا كتابا يتناول جزءا من الشأن الليبي ويتفحص بعناية شخصية مثيرة للجدل قبل ثورة 17 فبراير وبعدها، هي شخصية سيف الإسلام القذافي أكبر أبناء القذافي من زوجته الثانية، والرجل الذي كان أحد واجهات النظام في سنواته الأخيرة.عنوان الكتاب لافت، ومحرض على القراءة "سيف القذافي، مكر السياسة وسخرية الأقدار" كاتبه شخصية ليبية من الذين تقلبوا بين معارضة النظام وبين موالات الوطن وتعاطوا مع تيارات السياسة التي راجت في المنطقة العربية في العقود الستة الأخيرة. حاول أن يركز على سيف الذي رافقه على مدى اثنتي عشرة سنة كمستشار شخصي. ومن هنا في تقديري تأتي أمور كثيرة ساخنة في الكتاب. المؤلف د. محمد عبدالمطلب الهوني. ومن المؤسف لم تتح لي الظروف طيلة فترة إقامتي في طرابلس اللقاء به، ولكني عبر هذا الكتاب تعرفت على قدرته الواضحة في انزال الأمور في أماكنها وعدم تضخيم الأحداث، سواء التي يتفق فيها مع من قاموا بها أو تبنوها، أو تلك التي يُعرض عنها، الأهم عندي أن الرجل حاول أن يقدم ويصور وقائع وأحداثا وتطورات وحقائق دون أن يقحم نفسه في المشهد، وظل كالراوي الأمين المثابر على تذكر الحقائق والتعليق عليها. الخطوط العامة التي قرر الرجل أن يقدم للناس بها كتابه كانت الأدب والفلسفة وعلم النفس، ومزج كل ذلك وكل ما كان ممكنا بالواقع وبالسياسة، هي تركيبة غريبة وجديدة على ذائقتنا القرائية في المنطقة العربية، لكنها تستحق التجريب؛ لما تحمله من ادهاش ومقارنة ورمزية في طياتها. المسار الرئيس لحكاية سيف القذافي، يبدأ منذ ولادته ونظر والده إليه على أنه أحد الورثة المحتملين للأب بفكره ونظرياته وسلطته، ومنذ العام 2009م ومع بروز تفاهمات بين ليبيا والمنظومة الدولية، برز اسم سيف الشاب العصري الذي يرتدي اللباس الأوروبي، ولا يخفي مناصرته وإيمانه للديمقراطية، كيف لا وهو من درس العلوم السياسية في الجامعات الحديثة. وهو الذي تصدى دون إعلان صريح لكثير من الجهات التي تحاول السيطرة وتسيير الأمور في الداخل، مثل: الحرس القديم، وسلطة الأشقاء، ونفوذ القبيلة، وقبل كل ذلك سطوة الأب ومؤسسته الحاكمة البدائية القائمة على التلذذ الغريب بالسلطة العمياء. برز سيف عبر مؤسسة القذافي للأعمال الخيرية العلمية. والتي أعلنت عن عدد من المبادرات الانسانية والخيرية وهي في الواقع وحسب رؤية سيف كانت تستخدم كواجهة يريد منها أن يبقى نظيفا وهو بعيد عن الأب وجنونه بالسلطة وإدارتها، وبعيد عن فساد الأشقاء، وفي ذات الوقت يدواي أهم الملفات التي يرى أنها تقرب الجماهيرية بكل الراكبين في سفينتها من الغرق، ومن ذلك ملفات الاصلاح والقضاء على الفساد وإنتاج شكل جديد للدولة يتماهى مع القرن الذي يعيش فيه الليبيون لا القرون الغابرة التي يأتي منها مزاج الأب القائد.يقول العارفون ببواطن الأمور إن سيف لم ينجح في محاربة الجميع، وإن جل ما أنجزه في هذا الميدان تعويض بعض سجناء الرأي وإخراجهم من السجون. ورغم ذلك كان هناك من لا يتخيلون تغييرا دراماتيكيا "دمويا" في ليبيا وضعوا ثقتهم في سيف، وكان رهانهم للمستقبل. خاصة فئات الشباب. وتحدثت أنباء مقربة من سيف أنه عزم على مواجهة الكل رمزيا بتحدي الأب وإعلان الانضمام للناس بعد أن ثارت الجماهير في بنغازي 15 و16 و17 فبراير 2011م وراح يتصاعد عدد القتلى في صفوف المدنيين برصاص رجال النظام. حتى قيل إن الرجل كان يناقش مع أعوانه بيان من ست نقاط تتمحور حول تعويض الضحايا ومحاسبة الفاعلين واعفاء الوزراء الفاسدين، وإعلان الدستور وإلغاء مقولات الكتاب الأخضر التي عطلت حركة التنمية الاقتصادية في البلاد. كانت قنبلة مدوية يعد لها سيف تجاه الأب والعائلة والقبيلة، ولكنها مع الشعب. لكن شيئا من ذلك لم يحدث وشاهد العالم خطابه العدواني في 20 فبراير من قلب طرابلس والذي كانت مفرداته خالية من أي نية للتغيير وقيادة المرحلة، بل الأسوأ من ذلك أنه أعاد مقولات النظام وانقلب على الديمقراطية والتغيير، كان يحاول العودة لاسترضاء الأب والاخوة والقبيلة، بعد أن انتهى وقت الترضيات، وبذلك كسب عداء جديدا من الليبيين الذين أملوا فيه الانتقال ببلادهم إلى زمن آخر بدون صراع. ولكنه فشل في كثير من رؤاه، لأكثر من سبب، وبقي نموذجاً للطريد في زمن النظام، ورمزاً للأسير في زمن الثورة.