ليبيا بلد الرجال
سألني صديق من القراء المتابعين عما أكتبه حول الشأن الليبي، قال : أخبرني عن بلد الرجال؟ وكان سؤاله ذاك في أعقاب إعلان المجلس الرئاسي في منتصف شهر فبراير الجاري عن نجاح أطراف الحوار السياسي المجتمعين في الصخيرات بالمملكة المغربية في التوصل إلى اتفاق حول حكومة وفاق وطني مكونة من ثلاثة عشر وزيرا، وخمسة وزراء دولة. وورد في تفصيلات الخبر أن بين وزراء الدولة الخمسة سيدات ثلاثا، وأن أهم عقبة كانت تواجه المجتمعين - وهي تسمية وزير للدفاع في هذه الحكومة - قد تم تجاوزها بتسمية المهدي البرغثي وزيرا للدفاع. قلت له : كل هذه المعطيات تعرفها، بقي أن ننتظر أنت والعالم وأنا معكم كيف يتصرف مجلس النواب المعترف به دوليا، حيث سيصوت خلال أيام على هذه الحكومة، إما بإقرارها، أو برفضها، مع احتمال كبير أنها ستقر، نظرا لكثافة الضغطين الدولي والداخلي على أطراف الحوار السياسي، مع عدم اغفال وجود احتمالات للرفض، ذلك أن عددا من الأصوات السياسية "نواب" سارعوا الى إعلان مقاطعة المجلس.كما أن هناك أسماء وردت في التشكيلة الوزارية لهذه الحكومة اعتذرت عن قبول مهمة التوزير، وتولي المناصب. هذه التصرفات طبيعية ضمن حركة المشهد السياسي الليبي، لكنها تبقى عناصر يجب أخذ نتائجها في الحسبان. إلى هنا وحديثنا، صديقي، وانا عن المستجدات الملموسة. بقي أن عدت إليه بحديث معاكس حول طبيعة سؤاله الذي تعمد فيه استخدام جملة "بلد الرجال".من هذه النقطة سار بنا الحديث في طريق آخر محوره رجل ليبي اسمه هشام مطر، وهو - لمن لا يعرفه - شاعر وروائي، وليس من أهل السياسية.وتقول سيرته : إنه ابن لرجل عارض نظام القذافي، وخرج للعيش والعمل في مصر، ثم في دول أوروبية، ثم الولايات المتحدة الامريكية، ابنه هشام من مواليد أمريكا، درس وعاش وكتب عن بلاده وهو في الغربة. هشام مطر من الكتاب العرب الذين يكتبون باللغة الاجنبية، ومثل معظم أهل الابداع في الفن والأدب امتهن أعمالا عدة منها: التمثيل المسرحي، والعمل في قطاع البناء، ثم كتب روايته الفريدة حسب رأي النقاد "في بلد الرجال".الرواية سلطت الضوء على الحياة في ليبيا السبعينيات، ليبيا العقيد القذافي، وحاولت تصوير القمعين السياسي، والاجتماعي اللذين عاشهما الناس هناك. واستطاع الكاتب - وهذا رأي النقاد ايضا - أن يجسد كل تلك المعاني على لسان صبي صغير السن، يعيش مع والدته التي كان لها سلوكيات معينة، علاوة على المرض. المهم ربما في كل حديث عن هذا الرجل نقرأ جملة من الآراء صرح بها قبل أشهر لصحيفة أوروبية حول ما يحدث في بلاده اليوم. رؤية الرجل موجعة، وصادقة وفيها كثير من الحس الواقعي، كما تتضمن دعوات مثالية، وتحث على فضائل انسانية وتحمل قيما مهمة تجاه الناس والوطن، فيها - على الإجمال - صوت مختلف عن كثير مما نسمعه اليوم يتداول بين الناس في ليبيا خاصة بين من يمارسون السياسة.في أحد أجوبته قرر أن بلاده إلى الآن مصابة بداء الانتقام، وهذه اشارة ربما إلى أن هذا الداء كان علامات المرحلة السابقة، ولم تنجح الطبقة السياسية في التخلص منه،ولأن الرجل من محترفي مهنة الكتابة، فهو يرى أن الأدب والثقافة عموما وسائل تساعد الناس على فهم وتحليل المواقف التي تجري أمامهم بصورة موضوعية، وتجنبهم التركيز على جانب واحد من المسائل التي تشكل معضلة في حياتهم. عند هذه الجزئية ربما يفهم القارئ أن الرجل يشير إلى أن حالة البعد العامة في بلاده وفي العالم العربي عن الأدب والثقافة هي إحدى المعضلات التي أوصلت الأمور إلى هذه المستويات الحرجة.وحقيقة أن رؤيته في هذه الجزئية عميقة وتركز على أن الأدب والقراءة عاملان أساسيان في تحقيق السلام والرخاء في أي مجتمع، حيث يؤكد أن الأدب مرآة لطبيعة النفس البشرية وفيه تنبت القيم الانسانية المشتركة. ويعيب على مسيرة العمل السياسي في بلاده غياب مفهوم "التسامح" مع أنه يدرك أنه ليس عملا سهلا. ويؤكد في ذات الوقت أنه عمل ليس سلبيا، والمفيد أنه يحاول أن يبسط ذلك المفهوم الجميل بأنه تفاعل ايجابي مع الماضي.من الاشارات اللافتة في حديث الرجل، وتفكيره، تصويره هزيمة الليبيين العقيد القذافي ونظامه، واخراجه من المشهد السياسي في ليبيا بالصورة التي يعرفها الناس، بأنه كان عملا سهلا، إذا ما قورن بمحاولة تلمس هزيمة، واخراج القذافي وسطوته من نفوس الليبيين، حيث يرى - ببساطة - أن القذافي - بكل تجلياته كرجل، ومنظومة سلطة - لا يزال موجودا داخل كثير من أبناء ليبيا.هذه آراء أهل الأدب في السياسة، وأهل السياسة داخل ليبيا وفي الاقليم وفي العالم يرون أن على الحكومة الجديدة أن تكون حكومة توحد التراب، وتتولى ترتيب البيت الليبي المتهالك، وتجلب الاستقرار الذي غاب مع تزايد وتيرة العنف والصراع. ووسط كل ذلك من المنطقي السؤال : هل نحن أمام فرصة فريدة للسلام يجب عدم اضاعتها، كما قال مارتن كوبلر مبعوث الامين العام للأمم المتحدة ؟ أم أن واقع الحال يحتاج إلى تشخيص وعمل من نوع آخر في ليبيا بعيدا عن رؤى وطموحات أهل الأدب والثقافة، وبعيدا عن قدرة أصحاب الدار على تحقيق أساسيات البقاء والاستمرار.