السلام والحرب في «رعد الشمال»
الوصول الى السلام أصعب من بلوغ الحرب، وهي معادلة من الصعوبة بما يجعلنا نتخذ خيارات ليست سهلة، لأن السلام حين يكون عملية فذلك يعني مزيدا من الإجراءات المعقدة التي يفهمها ويقدرها أهل السياسة والعسكرية، باعتبار أن هناك متغيرات ميدانية ومعلوماتية متعددة يتطلب تحليلها وصولا الى القرار الحاسم، ولذلك فإن عملية عسكرية مثل رعد الشمال تأتي في إطار المشي في طريق السلام وليس الحرب.مناورات «رعد الشمال» التي يشارك فيها عشرون دولة عربية وإسلامية، تعكس رغبة قوية لدى هذه الدول للوصول الى سلام في المنطقة ومكافحة الإرهاب الذي أنتجته الحروب الكارثية التي تسبب فيها المستبدون وتجار الموت سواء من دول أو تنظيمات متطرفة، وهي رسالة سياسية وعسكرية لكل من يهمه الأمر ممن يعبثون بأمن بلداننا وتوظيف الفوضى لصالحهم دون اعتبار لحاجة شعوب المنطقة والعالم لسلام حقيقي، وأمن جماعي يستبعد أولئك الطامحين بغير مشروعية من أجل مشروعات وبرامج ضارة بأمن المجتمعات وسلامها.ليس في تلك التدريبات والعمل الجماعي تهديد لدولة أو مجتمع، وإنما هي رسالة عالمية تعبر الآفاق بأن هناك إرادة سياسية سلمية ينبغي أن تتحقق من أجل صالح كل مجتمعات العالم، إذ إن الفوضى والتراخي الذي حدث طوال السنوات الخمس الماضية وأوصل الأمور الى تناسل المتطرفين وتحركهم في بيئات خربة ووجود ملاجئ ومحاضن ودعم لهم من قوى غير سلمية، يجب أن يتوقف فقد تضررت الشعوب كثيرا من العنتريات والاستبداد الذي انتهى الى تشريد جماعي لشعب بأسره، وقتله بأبشع صور القتل، وهناك قوى تعزز ذلك بصورة مأساوية لا تتفق مع كل معايير وقوانين المجتمع الدولي في الأمن والسلم.من المهم أن تمضي تلك الأراضي وتتسع لدول أخرى محبّة للسلام، لأن تحقيق الأمن يأتي جماعيا من خلال إرادة سياسية وأمنية تلتقي مع رؤى المحبين للسلام والساعين الى تحقيقه بالحوار أو القوة حين تقتضي الضرورة، فاستمرار المهازل الإنسانية في المنطقة ليس في صالح الأمن الدولي ولا المجتمعات، وما يحدث حريق تغذيه أطراف عدائية وعنيفة ترتكب إجراما حقيقيا بحق كثير من البشر ليس لشيء سوى الإجرام، وكل ما يحدث إنما يتكيف منطقا وقانونا مع الممارسات الإجرامية ضد الإنسانية وجرائم الحرب كتلك التي ارتكبها دمويون أورثوا العالم دمارا، وذات السيناريو يتكرر بكل تفاصيله المأساوية والوحشية.حين تقود المملكة العربية السعودية تلك المناورات الأضخم على مستوى العالم فإنها تؤكد بذلك على دورها الرائد في خدمة المجتمع الدولي لتحقيق أمنه وسلامه، وذلك مبدأ ومنهج سياسي وإنساني ظلت تحرص عليه بالطرق السلمية دوما من خلال الحوار والتفاوض ولغة العقل، ولكن الأمور وصلت الى نهايات مسدودة، في ظل استخدام الآخرين لغة غير عقلانية وهي لغة الرصاص والدم، وأصبح ما من سبيل إلا توظيف لغته لإيقاف العبث والهدر الذي يحدث، طالما أن الحريق لا يزال يشتعل ولا يوجد من يرغب في إطفائه، ولذلك من «رعد الشمال» نبدأ مرحلة جديدة في كتابة السلام بالأسلوب والطريقة التي تصلح للزمان والمكان، وتناسب تلك الأطراف التي لا يوجد في عقلها سوى القتل والدم.