خليل الفزيع

«حقوق الإنسان» والمسئولية الأخلاقية

ليس غريبا أن تصدر بعض الجهات الحقوقية أو حتى غير الحقوقية تقاريرها عن حقوق الإنسان في بلادنا، متضمنة بعض الافتراءات والتجني على هذا الوطن العزيز. فكثيرون هم حساده والحاقدون عليه، ومع ذلك لا بد من النظر إلى هذه التقارير بجدية وعدم تجاهلها. وكما في الأمثال (رب ضارة نافعة) فهي تشكل فرصة لتوضيح حقائق الأمور، والرد على المغالطات الواردة فيها، وبأسلوب بعيد عن العبارات الإنشائية التي تفتقر للمعلومات المدعومة بالأرقام والحقائق، مع أن محاولة إقناع الطرف الآخر قد تبدو صعبة؛ لأنه يملك أحكاما وقناعات مسبقة لن يتخلى عنها بسهولة، لكن الرد عليه كفيل بأن يهز في نفسه الثقة - ولو قليلا - بتلك الأحكام والقناعات المسبقة، والأهم من ذلك هو توضيح الحقيقة أمام الرأي العام للذين اطلعوا على تلك التقارير بحيادية مطلقة. وبالتالي فإن نظرتهم للرد ستكون أكثر ايجابية؛ لعدم ارتباطهم بأي أحكام أو قناعات مسبقة، حول ما تضمنته تلك التقارير، الصادرة في معظم الأحيان من بلدان هي أكثر من غيرها انتهاكا لحقوق الإنسان. لكن المغالطة والازدواجية في الأحكام، هي التي تدفعها إلى الإساءة لنا، متجاهلة وعي المواطن الذي ينظر إلى تلك التقارير بعين المدرك لأهدافها وغاياتها، والعارف بمن يقف وراءها، ودوافعه المشبوهة. هذا جانب، ومن جانب آخر، يمكن الاستفادة من تلك التقارير رغم معرفتنا بعدم دقتها، يمكن الاستفادة منها في إصلاح الجوانب التي تطرقت لها ـ إن وجد بها أي قصور - بمعنى أكثر وضوحا يمكننا التعامل مع تلك التقارير بروح أكثر انفتاحا على تقبل النقد، وتلمس مواطن القصور لتلافيه، بل المبادرة بالإصلاح الذي لا يترك مجالا لكائن من كان للتقول أو ترديد الافتراءات، وليكون هذا الإصلاح سلاحا للرد على كل من يحاول تشويه الصورة الجميلة للواقع الذي نعيشه. ولدينا في ذلك مرجعية أهم من كل المؤسسات الحقوقية في العالم، وهي التعاليم الإسلامية، التي حثت على الإصلاح، وسبقت في ذلك.. الإعلان الأممي لحقوق الإنسان بما يزيد على أربعة عشر قرنا، وفي إطار تعاليمنا الإسلامية يمكن أن نحقق إصلاحا شاملا في جميع مرافق الحياة، بما يحافظ على الهوية، ويتيح الإسهام في الجهود المبذولة لصنع حضارة العصر، وخدمة البشرية، وتحقيق الأمن الإقليمي والسلام العالمي.وواقعنا كما هو الحال في بقية الدول، يعاني من بعض القصور في جوانب معينة، ومعظمها ناتجة عن ممارسات فردية، من مواطنين أو مسئولين، لكنها تستغل من الجهات المعادية بتضخيمها وتعميمها على واقع هو بعيد عنها، بالتالي فإن مسئولية المواطن تظل مباشرة عن أي إصلاح مطلوب، وهذه مسئولية أخلاقية في الدرجة الأولى، وإذا كانت الأنظمة تسعى إلى التغلب على سلبيات الواقع، فإن هذه الأنظمة لن تجدي ما لم يلتزم بها المواطن، وفي حالات من هذا النوع، تكون للنظام كلمته التي لا ترد، وهي ملزمة للجميع دون محاباة أو استثناءات أو تجاوزات من أحد مهما كان موقعه من الإعراب في لغة الوطن.الكل يدرك أن المواطنين والمسئولين هم على درجة كبيرة من الوعي، يعرفون معها الحرص على عدم الإساءة للوطن ومنجزاته، لكن هذا لا يعني غياب تلك الممارسات الفردية التي لا يدرك مرتكبوها مدى الإساء التي يوجهونها للوطن من خلال اختراقهم للنظام، وتجاهل أو تجاوز ما يتضمن من أوامر وعقوبات لمن يخالفه، وهناك فرق بين الأخطاء التي ترتكب عن طريق الخطأ، وتلك التي ترتكب عن عمد، ومع سبق الإصرار والترصد كما يقول القانونيون، وهذا يعني مسئولية المواطن المباشرة عن كل الأخطاء التي يتحمل نتائجها السلبية الوطن، والتي قد تغري أعداء الوطن باستغلالها لأهدافهم المشبوهة، من خلال هذه التقارير الجائرة.