أحلام محمد بن سلمان
صحيفة "ذي إيكونوميست" البريطانية بعد أن نشرت اللقاء المستفيض مع سمو ولي ولي العهد بتاريخ الرابع من شهر يناير الجاري، عادت في يوم التاسع من الشهر نفسه بتقرير مطول عن اللقاء وفحواه، وهذا الامر حق من حقوق الصحيفة، ومن حقوقنا نحن أيضا كمتابعين أن نشير الى مواطن في التقرير افتقرت إلى الجدية والواقعية. ويبدو أن الصحيفة استعادت كثيرا من البريق في أعقاب نشر اللقاء المشار اليه وقررت استثمار تلك الحالة بهذا التقرير ليبقى سمو الامير ولقاؤه وبلاده وأحلامها وطموحات الناس فيها مادة تجذب القراء والاهتمام في كل مكان. الامر الذي لا يمكن تجاهله أو تجاوزه أن الصحيفة المذكورة صنعت لنفسها مكانة بمجرد أن منحها سموه خمس ساعات من وقته للحديث عن الحاضر والمستقبل في دولة تهم العالم. النقاط المركزية التي وردت في تقرير الصحيفة البريطانية تثير الاستغراب تارة، والفضول تارة أخرى. وتنم عن غياب فهم طبيعة الذهنية الشرقية العربية المسلمة. كما تبين وبجلاء عدم فهم كثير من سياقات التاريخ البشري والتنظيمي للمسلمين في حقب كثيرة ومضيئة من تاريخهم. ولعل القارئ يستغرب في أن يركز محاور بريطاني أو صحيفة أوروبية على عدد المرات التي ذكر فيها اسماء اشخاص بعينهم في سلم القيادة السعودية، و ذكر اسم شخصية ما مرات تعني أمورا ودلالات لا يعرفها إلا الراسخون في الحوار!!.الاجوبة كانت تأتي من سموه وكما قرأها الجميع مباشرة ومحددة المعنى والدلالة، وتحمل اجابات شافية واضحة. دون الحاجة لتطويل الحديث وذكر امور جانبية. كانت الاجوبة كمبضع جراح. تذهب مباشرة للموقع المطلوب لتحدث فيه الأثر المأمول. وكفى. اللقاء كان مليئا بالافكار الجديدة، والجريئة لسمو ولي ولي العهد. إلا ان هذه الجدة والجراءة والمباشرة والصراحة فسرت عن طريق الصحيفة بأنها احلام لسمو الامير. ولنفرض أنها أحلام شاب، ما المانع أن نحلم بمستقبلنا، بغد أفضل يقضى فيه على كثير من اشكال الفساد، وتنتقل البلاد فيه من حال إلى احوال أفضل، وأجمل.أستغرب بشدة لفظة حلم فيما دار بين سموه وتعاطيه مع اسئلة الصحيفة وهو بإشارة واحدة قال للعالم المرتبك لا حرب سعودية مع طرف اقليمي معروف. أين الحلم هنا. إذا كانت الصحيفة تعول على فروقات في الفكر والثقافة والبنية التاريخية للنمطين العربي الاسلامي الشرقي، وللنمط الاورربي الغربي بخلفيته التاريخية وتطوره السياسي و واقعه المعاصر فهناك خلط كبير. وأقول: بمباشرة أكثر إن الاصلاح في هذه البلاد والذي تراه وترعاه حكومة المملكة العربية السعودية ليس من المستحيل السعي لتحقيقه في غياب ما يسمى ديموقراطية على النموذج الغربي، لأن النية على الاصلاح تحتاج عملا وجدية ومتابعة ولعل في دروس التاريخ الاسلامي في هذا الميدان الكثير من التجارب المضيئة التي انتشر فيها العدل واستتب فيها الامن وقويت فيها شوكة الدولة دون وجود كل المفاهيم التي يتحدثون عنها اليوم.وإذا كانت فكرة التاتشرية نجحت كما يُزعم في بريطانيا لوجود تفويض شعبي، فنحن نعرف ان سبب نجاح هذه التجربة ليس هذا العنصر بمفرده، ويجب أن يفهم كل من يحاول الترويج لمثل هذا الخطاب أنه مرفوض وغير واقعي لأن فيه قسرية ومقاربة تجارب متغايرة بطبيعتها.ويبقى الامر الأهم في تقديرنا والذي تكشف عنه جزيئة في تقرير الايكونوميست وهو عدم قدرة الطرف الآخر فهم حقيقة العلاقة بين الشعب والحاكم في بيئتنا العربية عموما والخليجية بشكل خاص. والتي هي في أغلب التقدير خاصة جدا وتحمل دلالاتها ورمزيتها في معاني معاني الوفاء والتفويض العام من عموم الناس للحاكم برضى يصعب فهمه على الذهنية الغربية.ختاما، التقرير أعطى شهادة رفيعة لتعليمنا العالي الذي يعد سمو الامير أحد مخرجاته، حيث كان الاستغراب من اشارة سموه للدور الامريكي وطبيعته في هذه المرحلة. هذا التفسير بحسب التقرير ومن أعدوه لا يناسب الا من تلقى تعليمه في الغرب!! لم أجد ملاحظة جديرة بالوقوف عندها، ليس لأن الامر يخص بلادي وأحد رموزها، بل لأن المقاربة مختلة من الاساس، ولأني قرأت في عيون السعوديين والسعوديات الذين تحدثت معهم بدون تخطيط حول هذا الامر أن الرجل يمتطي صهوة جواد يسابق الصواريخ بعزمه وهمته، وهو مدرك للصعاب التي يُحتمل أن تواجهه، ولكن اتكاله على الله قبل كل شيء هو الوقود الذي سيحقق الحلم الذي نسعى جميعا ليصبح حقيقة بعيدا عن ترهات تقرير الايكونوميست.