نظريّات التّجاهل مع المياه الجوفية
شرحت في مقال سابق أن أمامنا (13) عاما لنفاد مخزون المياه الجوفية غير المتجددة.. كان ذلك التقدير وفقا لـ(مصادر رسمية).. وتتعدد مصادر المعلومات العلمية.. منها كتب ومنشورات الجهات الحكومية.. تأخذ الصفة الرسمية.. تُعتبر أحد أهم المراجع في مجال البحث العلمي.. تحوي معلومة، ورقما، لنشاط وإنجاز كل جهة.. تُسمّى علميا (المصادر الرسمية).. لأنها تمثل جهات حكومية. المصادر الحكومية محل ثقة الباحثين.. التشكيك يتطلب التأكيد ببحوث ودراسات أخرى.. تظل المصادر الحكومية مرجعا مهما لكل باحث.. يتم البناء على معلوماتها المنشورة.. ليس على الباحث التحقق من صحتها.. مصدرها محل ثقة.. يُفترض أن تكون صادقة.. تقدم انجازات ومعلومات حقيقية.. سواء كانت نتاج بحث.. أو دراسات خاصة.. أو إحصاءات توضح إنجازات الوزارات الرسمية السنوية.. على تلك المصادر وضع كاتبكم تقديرا لعدد السنوات المتبقية لنفاد مخزون المياه الجوفية.. الأمر ليس تخمينا.. أو تنجيما.. أو تطاولا على الله.معلومات المصادر الرسمية تعتبر حقيقة.. عليها يتم اتخاذ القرارات.. معلومات مهمة لواضعي السياسات، وخطط التنمية وبرامجها.. إذا كانت غير صادقة تصبح القرارات خاطئة.. لأنها اعتمدت على معلومات مضللة.. هنا تكمن المشكلة.. ويأتي الفساد.. ويضيع الجهد والمال.. ويتشكل خراب المستقبل.. النشرات الاحصائية ومعلوماتها الرسمية يجب أن تكون صادقة.. موثقة.. عليها يتم بناء القرار.. يتوقف نجاح القرار على حجم المعلومات ودقتها.في مجال المياه الجوفية.. لابد أن تؤسس الاستراتيجية الزراعية على المعلومات الموثقة.. منها تقديرات المخزون من المياه الجوفية.. يجب محاسبة الوزارات على تجاوزاتها في حال تجاهلت الحقائق.. خلال العقود الماضية.. من عام (1970) تاريخ اصدار خطة التنمية الأولى وحتى اليوم.. نجد تناقضات بين التقديرات المعلنة، وما تطالب به الخطط الخمسية.. وبين ما يجري على أرض الواقع.إذا كانت التقديرات والنظريات العلمية لا تعجبهم.. فلماذا لا يعتمدون على النظريات الشعبيّة.. تبنتها حياة الفقر والفاقة، أيّام الحصى خبز.. نظريات لا تعتمد على لغة الأرقام وتحليلاتها.. تعتمد حكمة الممارسة ومنطقها.. أدعو إلى الاستعانة بالنظريات الشعبيّة.. في ظل تجاهل النظريات العلمية.. تقول إحدى النظريات الشعبية: [الشيء إذا زاد عن حدّه انقلب إلى ضدّه].. نظرية واضحة الفهم والمعنى.. لا تحتاج (فهلوة) واجتهادت وعلماء لتحليلها.نظرية شعبية كانت سائدة في غياب الجامعات ونظرياتها العلمية.. كان الجميع يفهم ويطبق.. يحافظون بها على البقاء والسلامة.. أناس ينشدون استدامة السلامة.. اعتمدوها كمنهج حياة.. كان يمكن الاعتماد عليها من قبل الوزارات المعنية.. دون عناء طبع واصدار الكتب الاحصائية.. كأنهم يصدرونها من باب كرم التباهي.. لا تختلف عن (هياط) هؤلاء الذين يغسلون الأيدي بالسمن والعسل، وماء العود والورد في المناسبات.. نحن بهذه الاصدارات نضحك على أنفسنا.. نؤسس لكوارث المستقبل.. ما فائدة المعلومة إذا كان تجاهلها مضرا وخطيرا؟! النظريات الشعبية ملحمة لمنهج حياة.. تمثل الحكمة والنّباهة، والذكاء الفطري وصدق التجربة.. تجاوزها مهلكة وخيبة.. نتيجة لذلك كانت ملزمة للجميع لتفادي المكروه.. لا فرصة لديهم للاستعراض.. تطبيقها منجاة وطريق سلامة ينشدها الجميع.. نظرية: (الشي إذا زاد عن حده انقلب ضده) من أهم النظريات التي تجاهلتها الوزارات مع بقية النظريات العلمية.. نتيجة لذلك تجاهلها الأفراد.. تحولوا لسباق جني المصالح على حساب المياه الجوفية.. هذه زراعة القمح كمثال.. وهذه زراعة الشعير، وزراعة الأعلاف، وزراعة النخل.. والأمثلة لا تنتهي مع زراعات التباهي والتفاخر.. واستنزاف المياه الجوفية. يتم تجاهل الخطورة بل يتم تغييبها.. الاستدامة هي أساس الفخر والتفاخر بأي إنجاز.. نعرف أن الجرح يلتئم.. لكن نزيف الجرح يقتل إذا استمر.. هذا ما جرى ويجري في القطاع الزراعي خلال العقود الماضية.. ما زال الوضع قائما بطرق كثيرة.. بأشكال مختلفة.. ضاعت حكمة النظريات الشعبية.. ضاع مفعول النظريات العلمية.. وضاع جهد العلماء والجامعات ومراكز البحث العلمي.من النظريات الشعبية التي يجب ذكرها أيضا.. نظرية تقول: [آخر الدّواء الكي].. مع الحالات الميؤوس من شفائها.. قد يحقق الكي الشفاء وقد لا يحققه.. لكنه موجود كملاذ أخير.. قبل زحف ستارة النّهاية.. هذا ما يجري الآن في القطاع الزراعي.. السؤال هل ينفع الكي مع صعوبة شفاء الحالة؟! مع استنزاف المياه الجوفية غير المتجددة لا شفاء أبدا.. المياه المخزونة إذا ذهبت لن تعوض في ظل المؤشرات القائمة.. تلك حقيقة.. حتى تقديرات الوزارات المعنية عن مخزون المياه الجوفية تم تجاهلها.. من أين جئنا بنظريات التجاهل (والطنبشة)؟!