شبابنا.. والوعي السياسي
من يجهل أن الأرض مزروعة بالألغام، فإن الطبيعي جدا أن يلتهمه أحدها، هكذا يتبدى لي وأنا أقرأ ما يدور حولنا من أحداث مشبوبة بالبشر أكثر من البارود، تطحن رحاها السكينة والطمأنينة والمدخرات والتنمية، نارها المتلظية بعقول فارغة استطاع المتربصون أن يملأوها بسهولة أدهشت أقرب الناس إليهم، حين عرفوا من أين يمكن أن يؤتى العملاق! وكيف يمكن التسلل إلى معقل الكرامة والقوة والمنعة، موظفين كل ما يجري لتحقيق مآربهم الخبيثة؛ فهناك مصائب وكوارث تذيب القلوب، وتحرك الجماد، وصور انتقائية تحفِّز كل ضمائر الوجود الحية، في الوقت الذي غاب فيه الوعي السياسي تماما عن عقول الشباب، فليس ثمَّة غير الحماسة المندفعة بروح المغامرة في نفس شاب لا يفقه أبجديات السياسة الدولية، ولا أبعادها الموغلة في الأنانية المتوحشة، التي لا تعرف إلا كيف تسيطر وتستغل، حتى ولو كان على حساب الإنسانية التي يتشدقون بها أكثر من ذكرهم لأسمائهم في كل خطاب وعلى كل منبر!!لست مختصا في السياسة، بل أنا ممن يجهل دروبها الملتوية، ولا أعرف منها غير ما يظهر، لدي عقيدة تحدد لي الصديق من العدو، ووطن حر قويّ، يبحر في هذا المحيط البشري على وجه كرة مستديرة لا يمكن تحديد نقطة البدء فيها، ولا نقطة النهاية، وطن رست سفينته على موانئ السلام منذ أن تأسس على التوحيد والشريعة السمحة، ولكن أعداء السلام لم يدعوه، ولن يدعوه وشأنه؛ ليبني حضارته، وينمي ثرواته البشرية، ويستثمر قدراته المادية، بل أحاطوه بالدسائس والمؤامرات، لكل منهم وجهة هو مولِّيها، ويعمل على أساس جذورها، فمن هؤلاء؟ ولصالح مَنْ يعملون؟ وإلى ماذا يهدفون؟ وما علاقتهم بكل ما يجري من أحداث؟ وما علاقة كل دولة.. أو حزب.. أو قطيع يقتاده مجهول.. بالآخر؟! ما المصالح المشتركة بينهم؟ بل ما أبرز أفكارهم؟ وما أهم معتقداتهم؟ وكيف أثروا في شبابنا وهم بين أيدينا، وعلى موائدنا؟ أو وهم بعيدون عنا في مبتعثاتهم وسفراتهم؟!(الوعي السياسي) الذي يتطرق لأشد العلائق الأممية تشابكا وخطورة، الوعي الغائب، كيف يمكن التعامل معه بأمان، حيث يجب أن يقدم منه للشباب والفتيات ما يكفي دون إشغالهم به؛ ليقيهم من التأثير السلبي الذي يُراد بهم، ويحصنهم من زيف الأفكار التي تبدو لهم ـ خلال عرضها في سياق مغرٍ ومدهش ـ أنها الحق، وأنها تستحق أن تُهجر من أجلها الأوطان، وتُزهق في سبيلها الأنفس!!كيف يمكن تحديد هذه الجرعات من (الوعي السياسي)، ومَن الذي يمكن أن يقدمها؟ وفي أي إطار يمكن أن تقدم فيتقبلها الشباب والفتيات باقتناع كامل، يجعلهم يؤمنون بها، ويدافعون عنها، وتتكسر على صخورها معاول خفافيش الظلام، الذين يصطادون في الماء العكر.لن تكون التوجهات السياسية المنحرفة التي تستقطب بها الجماعاتُ المتطرفة قلوب شبابنا الآن هي آخر تقليعات فكر الخوارج التكفيري، بل هو فكر يتوالد، وفي الحديث الحسن: «ينشأُ نشءٌ يقرؤونَ القرآنَ لا يجاوزُ تراقيَهم، كلَّما خرجَ قرنٌ قُطِعَ»، قالَ ابنُ عمرَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: «كلَّما خرجَ قرنٌ قُطِعَ أكثرَ من عشرينَ مرَّةً؛ حتَّى يخرجَ في عِرَاضِهِمُ الدَّجَّالُ».إذن هو فكر يولد كل حين دون أن تكون هناك صلة بين حديثه وقديمه، لأنه يُقطع كلما ظهر، فهو (ينشأ) أي بدون جذور، ولا مرجعية علمية وشرعية، بل هو الجهل وحده، «ينشأُ نشءٌ يقرؤونَ القرآنَ لا يجاوزُ تراقيَهم» شجرة صبار بلا ثمار..!!ولكنه فكر خادع، يبدو للشباب بأنه (التقى المحض) و(الجهاد الحق) و(المخرج من الذل) و(النصرة للدين) و(الانتصار للمستضعفين) و(الطريق الوحيدة لتحقيق الوعد النبوي بالنصر والتمكين للأمة في آخر الزمان)، وهي مفردات تتوق لها نفوس كثير من شباب الأمة، وهو ما يفسر تقاطر الآلاف من كل البلاد على أماكن تجمعهم.الجديد في زماننا هذا أن أعداء الأمة درسوا هذا الفكر واستغلوه أبشع استغلال، وغذوا آحاده؛ حتى صنعوا من شتاتهم جماعة لها صولة وجولة، وأمدوها بالسلاح والتقنيات والإعلام؛ ليستنزفوا بها الأخضر واليابس!!(الوعي السياسي) الحديث لكل ما يجري ويخطط له، المصطبغ بـ(السياسة الشرعية)، والكشف عن الملل والنحل التي مرّت على أمة الإسلام قبل هذا الزمان، من أهم ما يجب أن يقدم للشباب من زاد توعوي وقائي، وأجد من الضرورة أن يؤهل لهذه التوعية قوافل من المرشدين الذين يتمتعون بالاستقامة والذكاء والحضور المقبول لدى الشباب خاصة، مرتبطين بالعلماء الربانيين، وولاة أمورهم، وتوجيهاتهم السديدة.. والله الحافظ والمستعان.