طرفة عبدالرحمن

من يزعم الإصلاح؟!

جل ما تجتمع عليه قضايا البشر، ويتم الحديث عنه بشكل علني عبر الصحافة بكافة وسائلها المقروءة والمسموعة والمرئية؛ يصب في مغزى واحد وهو «الإصلاح» بكل جوانبه سواء ما يضم الأبنية العامة للدولة كالنظام السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي أو الاجتماعي، أو ذلك الذي يضم الأنظمة الفرعية للمجتمع كالنظام الأسري أو التعليمي أو الصحي وغيرها.. والإصلاح بشكل عام لا يتأتى من كثرة الوعظ أو الخطب أو حتى النقد، إنما بالضبط والقانون النظامي الذي يكفله. وعندما نتحدث عن الإصلاح فنحن أمام مفهوم عريض يضم مجموعة أهداف ومقاصد وتوجهات متعددة.. ليست المشكلة أن المجتمعات والحضارات لم تتفق على أسس إصلاحية ثابتة صالحة للتطبيق في حياة جميع البشر لأن هذا لا يمكن تخيله لاعتبارات كثيرة أحدها الجانب الديني والثقافي الذي يتحكم أحيانا بصورة كبيرة في حياة الأفراد في معظم المجتمعات. تبرز مشكلة الإصلاح بشكل عام في أمرين: أولهما عندما يتولى الحديث في قضايا الإصلاح فئة من المجتمع لا تحسن الكلام فيه، وتزداد الإشكالية عندما تكون هذه الفئة محل ثقة لدى الرأي العام وتستطيع تحريكه وإثارته بسهولة متى ما أرادت ذلك. الأمر الثاني الذي تبرز فيه مشكلة الإصلاح، أن إقامته في حياة الناس وأنظمتهم وتعاملاتهم مرهونة في تطبيقها بقوانين مقننة تنظم العلاقة بين الإنسان والآخر في مجتمعه- وفي حدود واضحة ومتفق عليها عرفا وقانونا ولا تتعارض البتة مع حريته وإنسانيته ولا تضر من حوله- أيضا بين الإنسان وأنظمته، بين الإنسان وبيئته.. وحين نعود للإشكالية الأولى القائلة ان سبب مشاكل الإصلاح في مجتمعنا وجود فئة تتحدث عنه ولا تحسن الكلام فيه فإننا نعني بذلك أولئك الذين يتحدثون عن الخطط الإصلاحية بشكل عام في منابر الإعلام وهم في حقيقة طرحهم لا يملكون هيكلة واقعية صحيحة يمكن الاستفادة منها، ومن سمات هؤلاء أنهم يتحدثون باستراتيجيات عامة ربما لا تصلح للتطبيق ويتحدثون بها في طريقة خطاب أو طرح نخبوي قابل لأن يكون جيدا كديباجة نظرية تعبئ الوقت أو المساحة الإعلامية المخصصة لها ولا شيء آخر.. وأسوأ ما يمكن أن تفعله هذه الفئة عندما تتحدث عن قضايا المشاريع الحكومية والفساد المالي، وهذا لأننا سئمنا من حديثهم عن قضايا الفساد بشكل عام بدون تحديد كينونته الحقيقة، وبدون أن تطلعنا تلك الصحيفة أو ذلك البرنامج التلفزيوني الذي يظهرون به على حقائق قريبة من حوادث فساد معينة بكل تفاصيلها، فنحن لا يمكننا أن نبني حقائق عن الفساد للجمهور لمجرد أننا جئنا بضيف يتهم أو يتحدث بدون دليل.. كما أننا يجب أن لا نسمح بإشاعة لغة مرجفة أو متشائمة عبر وسائل الإعلام عن كل مشاريع الدولة أو لبعض قراراتها السيادية التي لا تناسب الجميع، ليس من باب تكميم الأفواه، إنما هناك قرارات مدروسة لا تجب مهاجمتها أو نقدها بهذه الطريقة إلا بعد تجربتها على الأقل لفترة وقياس الإيجابيات والأضرار الناتجة عنها..باختصار، قضايا الإصلاح وإقامته في حياة الناس لا يحدد مسارها مجموعة من المثقفين أو المتخصصين لمجرد أنهم اعتلوا بعض المنابر الإعلامية.. الإصلاح أيضا لا يتم عن طريق الوعظ ولا يشاع عبر مجموعة أشخاص يرون أنهم يقودون البشر الى جنتهم المتخيلة عبر أفعالهم في الحياة الدنيا لمجرد أنهم اعتقدوا برفعة منزلتهم عند العامة.