محمد العلي

غروب الطوبى «1-2»

منذ زمن طاعن في البداية كان المثقفون يتساءلون: لماذا انحسر تأثيرهم في المجتمع؟ لماذا أصبحت آراؤهم تمر على أسماع الناس مسرعة وكأنها كتابة فوق الماء؟ لقد كانت آراؤهم وحتى أحلامهم تستقر في نفوس الجمهور استقرار الضوء، وتفعل فعل الدواء لكل أمراض الجهل واللامبالاة.. لقد كانوا في طوبى فلماذا غربت تلك الطوبى الشاهقة؟بعض المثقفين كان يرجم المجتمع بأحجار الجهل والتحجر والامتلاء بالأفكار الميتة، وما شعراء المهجر عنا ببعيد، ومن حين لآخر تسمع هناك وهنا من يردد هذه النغمة السوداء بدون ملل، وسبب هذا كله هو التغير الاجتماعي الذي لم يدركه هؤلاء المثقفون.في قراءة للأستاذ حاتم المشي لكتاب الدكتور عبدالإله بلقزيز «نهاية الداعية الممكن والممتنع في أدوار المثقفين» نجد تحليلا جيدا لما سماه «الداعية» ويعني به «المثقف» وكيف وصل إلى هذه النهاية الجرداء.يقول:«كان مثقف الأمس جاهزا للجواب أو الحوار على أي شأن من شئون الدنيا والدين... فالمعرفة ليست أكثر من استدعاء النص والناس مستعدون لسماعه لأن أكثرهم أميون.. أما مثقف اليوم فهو عاجز عن الإجابة عن أكثر الأسئلة؟مثقف الأمس كانت حضارته مزدهرة وكان صوته فيها عاليا.. أما مثقف اليوم فقد جاء في زمن السقوط الحضاري ولم يكن هناك جدار يستند إليه.. فكان عليه إما أن يهاجر إلى طوباه القديمة التي غربت أو يفتح عينيه على أضواء الحضارة الجديدة التي لم يشارك في صنعها».لم يكتف عبدالإله بلقزيز بهذا الجذر التاريخي لضياع المثقف الحديث بل راح يعدد كثيرا من الأمراض التي أصابته بل أقعدته.. واكتفى هنا بذكر مرض واحد منها هو «النرجسية الثقافية».نحن نعرف أن النرجسية مرض نفسي يترك الذات تدور حول نفسها.. مما يعني تحجرها وانفصالها عن محيطها.. وهذا ما يعانيه السواد الأفقي من المثقفين.. حيث إن شويعرا يقول إنه ليس في حاجة إلى قراءة محمود درويش.ما الحل؟الحل هو أن يؤمن مثقف اليوم بأن طوباه القديمة ماتت وعليه أن يعيش وسط الناس الذين أصبحوا مثقفين في حقول أخرى.