مؤتمر دولي حول ليبيا
الوضع العام في البلاد الليبية أصبح مرتبكا إلى درجة أن كل الاحتمالات أصبحت ممكنة. ومن يتتبع تحليل مجريات الأوضاع داخليا يدرك أن الفوضى تعم، والخدمات تشح بشكل تدريجي، ويتوارى الأمن ويزيد غياب مفهوم الدولة. وإقليميا، تتعاظم الشكوك في حركة دول الجوار، وتنافس البعض منهم للنيل من المكتسب الليبي الذي ليس له من يحميه. وعلى مستوى الأمم المتحدة فالأدوات الدولية بطيئة، وقَلت مصداقيتها، بل وحتى جديتها لدى الناس في ليبيا منذ تحركات المبعوثين وتراجع انجازاتهم على مستوى المصالحة داخليا، وعلى مستوى حث المجتمع الدولي للقيام بدور أكثر فعالية لإنقاذ هذه البلاد التي تغرق في احتراب ميليشيات السلاح. وبالنسبة للدور الدولي فهناك مصدران يتوقع منهما حل أو بوادر حل في ليبيا، بشروط التوجه الصادق المقرون بالعمل الجاد، أول هذين المصدرين الاتحاد الأوروبي والثاني الولايات المتحدة الأمريكية. فيما يتعلق بالاتحاد الأوروبي لا يمكنه النظر لليبيا بعيدا عن النظرة العامة للقارة الأفريقية ودولها والكتلة البشرية فيها التي تشكل ضغطا غير مسبوق على أمن الاتحاد وسلامة بنيته الاجتماعية، وهياكله الاقتصادية، عبر ما أصبح يعرف بطوفان الهجرة غير الشرعية القادمة من القارة السمراء، هذه الهجرة بدأت تشكل مداً متصاعداً من حركات الاحتجاج والعنف الداخلي في أوروبا، وأصبحت ذات ضغط وتأثير مباشر على صناعة القرار الأوروبي، ليبيا وبحسب عوامل الجغرافيا وقعت بين مصدر المشكلة وبين الطرف الذي يتأثر بها، دون أن تكون محسوبة على أي من الطرفين، ومنذ تردي الأوضاع في البلاد الليبية أصبحت منطقة عبور لا إرادة لها في دفع سلبيات عملية الهجرة غير الشرعية بين الطرفين. يبرز لنا هذه الصورة بشكل أوضح مخرجات القمة التي تمت في أكتوبر المنصرم في العاصمة المالطية "فاليتا" وسميت بالقمة الأفريقية الأوربية والتي سخرت مداولاتها للبحث عن حلول لمسألة الهجرة ترضي الطرفين الأفريقي، والأوروبي. في الواقع شهدت فاليتا قمتين الأولى افريقية أوروبية، والثانية أوروبية خالصة وكلا القمتين لم تنجح بصورة تامة في الوصول إلى حل يتفق عليه الجميع ويلتزم به في نفس الوقت، وهذا هو جوهر الموضوع، ورغم صدور بيان عن القمة أعلن خطة قابلة للتطوير والتعديل بين الجانبين تتمحور على التعاون في وقف الهجرة واستعادة الدول الأفريقية لشبابها الهارب من جحيم الفقر وقلة التنمية والحريات، بناء على مساعدات مالية تم الاتفاق عليها أثناء القمة، وأخرى مقررة من قبل، لتسهم في توطين الناس في الدول الأفريقية عبر توسيع آفاق العمل وتكثيف فرص التنمية. مع كل ذلك هناك من نظر للقمة أنها تؤسس للحوار الذي يمكن القول انه بدأ، أما النقاط الأخرى فما تزال محل خلاف. الوضع الليبي خلال كل هذه المداولات برز من خلال تبني قمة فاليتا لمقترح كان مقدما من الحكومة الليبية المؤقتة، يركز على استئناف المراقبة الأمنية للحدود الجنوبية للبلاد الليبية بهدف وقف الهجرة غير الشرعية. هذا مشروع يتضمن المراقبة الالكترونية عبر الأقمار الصناعية من قبل شركة أمنية ايطالية بالتعاون بين الحكومتين الايطالية، والليبية. مراقبون وصفوا هذه الخطوة بالهروب إلى الأمام للحكومة المؤقتة وإظهار لحالة العجز التي تعيشها. خاصة أنها تأتي في ظل تطورات عسكرية وأمنية ترعاها الأمم المتحدة وتتنفذ ايطاليا للعب دور البطولة في القيام بها. في الوقت الذي يكشف الواقع تباينا أفريقيا أوروبيا حول موضوع الهجرة وتداعياتها، وربما حول مصير ليبيا ومستقبلها، من جانب آخر تكشف التطورات خطورة أزمة الهجرة واللاجئين على الجانب الأوروبي من حيث التراجع عن بعض المسلمات المكونة لجوهر الاتحاد كاتفاقية تشنقن الخاصة بحرية التنقل في أوروبا. بقي الجانب الأمريكي الذي دعا وزير خارجيته صراحة في زيارته الأخيرة للجمهورية التونسية نوفمبر 2015م إلى عقد مؤتمر دولي حول ليبيا. دعوة الجانب الأمريكي هذه تأتي عبر مسارين في العلاقات الأمريكية المغاربية، الأول تعاظم الاهتمام بتطوير علاقات التعاون العسكري والاستخباري مع دول المنطقة ومن بينها تونس والمملكة المغربية فيما أصبح يعرف بالحوار الاستراتيجي الأمريكي التونسي، والأمريكي المغربي. والذي شهد عدة دورات خلال السنوات القليلة المنصرمة. المسار الثاني، يتمثل في تطوير التعاون في مكافحة الإرهاب، الذي بدا يهدد استقرار بعض البلدان بصورة ملموسة مثل تونس، وظهر هناك فهم مبني على أن الأراضي الليبية مصدر ذلك الإرهاب. تبقى هذه الدعوات، وهذه الرؤى. محل تمحيص واختبار للقوى القادرة والراغبة في عمل شيء حقيقي من اجل ليبيا وما جاورها.