د. إحسان بوحليقة

لنبدأ من سوق الخضار!

الإصلاح الاقتصادي يبدأ من الأسواق، واحدى الركائز هي حماية المشتري للسلع والخدمات. وحماية المستهلك مهمة كبيرة وخطيرة؛ فهي تحارب الغبن. ومن حيث الممارسة، فنحن ما برحنا نحبو في بداياتها، فنهتم بجانب وتغيب عنا جوانب! وما دام أن حماية المستهلك هي احدى مهام عمل وزارة التجارة والصناعة، وأن المستهلك بدأ بالفعل يتلمس أن أحداً يعمل لحمايته من طمع الطامعين وابتزاز المبتزين، فمن المهم بيان أن جهد حماية المستهلك لا يقف عند وكالات السيارات، فهناك منشآت خارج سيطرة وكالة حماية المستهلك في وزارة التجارة والصناعة، مثل أسواق الخضار المركزية وأسواق الأسماك، على سبيل المثال لا الحصر. إذ يبدو أن في هذه الأسواق يمارس أصحاب المحلات عملهم وفقاً لمقولة «إنت وضميرك»، فلا حائل بينهم وبين استباحة جيب المشتري!ويبدو ضرورياً حضور جهد حماية المستهلك في كل نشاط تجاري دونما استثناء، وبيع الخضار والأسماك وسواهما، أنشطة تجارية لا شك، فهي تنطوي على بيع وشراء، بل هي لتجارة التجزئة أقرب. نذهب إلى تلك الأسواق (أسواق الخضار والأسماك) ولا نعرف ما يُحاك لنا؛ هل البضاعة طازجة أم لا؟ هل السعر غالٍ أم رخيص؟ وحتى عندما يرتفع السعر لن تجد من يعطيك إجابة لماذا تغير. إذهب إلى سوق الأسماك وسترى العجب العجاب؛ أسماك تُباع على أنها طازجة وهي ليست كذلك، وأخرى مستوردة تباع على أنها محلية. هذا غير ارتفاع الأسعار حتى أصبحت أسماكنا المحلية أغلى من «السالمون» المستورد من النرويج! ومن ناحية أخرى، انظر إلى المنتجات الزراعية المحلية كالورقيات، مثل الخس والكزبرة والبقدونس، فهذه لا أحد يستطيع التنبؤ بتقلباتها. السوق إجمالاً سوق البائعين، وأنت كمستهلك إما أن تشتري أو تشتري، وإن لم يعجبك السعر فالحل أن تقلل الكمية. كان الحل التقليدي لتوعية المستهلك بالأسعار، أن تعلن في القنوات التقليدية (مثل الراديو كما يفعل أشقاؤنا في دول مثل الكويت وقطر). وحالياً يُمكن أن تعلن وتُحدث عبر قنوات التواصل الاجتماعي، والأفضل وضع تطبيق للهواتف الذكية يعرض أسعاراً محدثة للفواكه والخضار المحلية والمستوردة واللحوم بأنواعها والأسماك والأصناف الرئيسية مثل الأرز على سبيل المثال لا الحصر ويرفع الشكاوى إن لزم الأمر. وكما ندرك فإن انتشار الهاتف الجوال في السعودية من بين الأكبر في العالم، ولذا فبوسع التطبيق تحديد مكان المستهلك بدقة متناهية، وضبط الأسعار من خلال تبادل المعلومات والتعرف عن أحوال السوق من خلال المعلومات التي ترفع من مصادر متعددة، منها المشترون، وبذلك نعرف أوضاع السوق في الأسواق المركزية وفي محال التجزئة في البلدة والقرية تحديداً. وعلينا إدراك أن تواجد مراقبين مهم، لكن العنصر الأهم هو تبادل معلومات حقيقية ومُحَدثة، بمعنى أن امتلاك المستهلك للمعلومة سيجعله يتخذ قرار الشراء عن وعي، وامتلاكه لأداة التواصل سيمكنه من رفع شكوى أو اشتباه أو حتى المشاركة بالسعر الذي اشترى به كيلو «الشعري» أو ربطة الورقيات! أما ما يحدث حالياً فهو أن المستهلك يدخل السوق في حالة «غياب عن الوعي» غير ملم بالأسعار، ولذلك يشتري وهو غير متيقن، لكنه تحت ضغط الوقت والحاجة يقدم على الشراء إذعاناً وليس اقتناعاً. وحالة عدم الاطمئنان لدى المستهلك لا يمكن أن تترك هكذا، فالحلول متاحة وعلينا تنفيذها بحماس حتى لا تصبح أسواقنا ملاذاً للجشعين وحتى لا تصبح جيوب المستهلكين نهباً للشطار. والمقترح المحدد: اللجوء لبث المعلومات عن أسعار السلع الأساسية التي تشملها السياسة التموينية المعلنة للمملكة والتي تقوم على انتهاجها وزارة التجارة، والبث يتحقق بالقنوات التقليدية عبر الاذاعة وغير التقليدية مثل مواقع الانترنت وتطبيقات الهواتف الذكية والتطبيقات المرتبطة بالانترنت. وحيث ان المحور هنا هو أسعار السلع التي يبدو أنها ليست تحت نظر حماية المستهلك في وزارة التجارة والصناعة، أي أسواق الخضار والفواكه والأسماك، لذا لابد من تَدبر الأمر على مستويين: أن تتفاعل الجهة ذات الصلة، وهي الأمانات والبلديات، لعمل شيء يحسن من جهد حماية المستهلك، وليس أقل من نَشر الأسعار ومراقبتها بفاعلية وكفاءة، الأمر الآخر تتبع أساليب التسعير في أسواق الجملة ونص الجملة وفي «الشبرات»، ولا بأس من التنسيق مع وزارة التجارة والصناعة للإشراف كذلك على محال الخضار والفواكه والأسماك في محلات بيع التجزئة خارج أسواق الخضار المركزية، في كل حي وشارع. وأعود للتأكيد أن الاستفادة من تطبيقات الجوال ملائمة وقليلة التكلفة: عندما تتيح الجهة المعنية التطبيق، ويكون بوسع أي منا الاشتراك به، لنحصل كل صباح على أسعار الخضراوات والفواكه والأسماك -تبعاً لموقعنا- في المدينة أو البلدة. وبذلك سيصبح المستهلك على معرفة بالسعر، بل وسيكون بوسعه الرفع عن أي تفاوت أو مخالفة أو شبهة من أي نوع، بما يسهل مهمة المراقبين.