حوادثنا المرورية غير المبررة
الأمن هو أول مطلب يطلبه الانسان في حياته، وتكامل عناصر الأمن في أي مجتمع يعني المسيرة السليمة نحو المستقبل الأفضل، والاستقرار والعيش الكريم يحققه الأمن الشامل في جميع مناحي الحياة. نحن لا نعاني مثل غيرنا فيما يخص الجرائم.. ولكن غيرنا لا يعاني مثلنا فيما يخص الحوادث المرورية، وعدد الحوادث الجنائية في مجتمعنا يكاد يكون هامشياً مقارنة مع المجتمعات الأخرى، بينما عدد الوفيات من جراء الحوادث المرورية في مجتمعنا تجاوز الحدود حتى اصبحنا الأعلى عالمياً، واتساءل ماذا نفعل ونحن نشاهد العديد من أبنائنا يموتون على الطرقات بسبب الحوادث المرورية المروعة التي لا مبرر لها سوى السرعة الزائدة التي تسببت بحوالي 65% من الحوادث، ويليها الأخطاء و(قطع) الإشارة المرورية وقيادة السيارة من قبل غير المؤهلين للقيادة واستخدام المركبات لغير ما أُعدت له مثل (التفحيط)؟ الحقيقة التي يجب التوقف عندها هي ان الحوادث المرورية أصبحت تهدد مجتمعنا وتحصد شبابنا على اختلاف اعمارهم، لدرجة أن الوفيات والاصابات بسبب الحوادث المرورية باتت وكأنها جزء من حياتنا، وفي هذا الصدد تتوقع بعض الدراسات أن يصل عدد الوفيات الناتجة عن الحوادث المرورية في المملكة عام 2019 إلى 9604 حالات، والخسائر المادية قد تصل إلى 23 مليار ريال، بينما هي الآن نحو سبعة آلاف وفاة سنوياً، أي حوالي عشرين حالة وفاة يومياً، وخسائر مادية بحوالي 13 مليار ريال سنويا، كما أن هناك دراسة قامت بمقارنة بين الخسائر التي تتكبدها بلادنا من جراء الحوادث المرورية وبين الخسائر الناتجة عن الحروب خلال العشرين سنة الماضية في كل من: (الأرجنتين، والصحراء الغربية، وحرب الهند وباكستان، وحرب الخليج، وحرب النيبال الأهلية)، ووجدوا أن خسائرنا في الحوادث المرورية تزيد عن جميع تلك الحروب بـ (4000) وفاة، حيث بلغ عدد الوفيات (المرورية) في بلادنا حوالي 86 ألف شخص، ما سبب معاناة للقطاع الصحي، حيث إن إصابات الحوادث المرورية تستحوذ على 30 من كل 100 سرير من أسرة المستشفيات، بمعدل إصابة أو إعاقة كل 15 دقيقة، ويقع في بلادنا حادث مروري كل دقيقتين، ولو قمنا بعمل احصائية لوفيات الحوادث المرورية واصاباتها من العام 1970م لوجدنا أنها تسببت فيما يقرب من مليون وفاة وإصابة حتى الآن، وهذا يعني حوالي ٣٪ من مجموع سكان المملكة الحالي.ليس الحل في وضع برنامج وطني توعوي فحسب، وانما الحل يكمن في تعاون (الجميع)، وأعني حرفياً بالجميع البيت والمسجد والمدرسة والجامعة والجمعيات الخيرية والمؤسسات التوعوية والقطاعين العام والخاص، ويجب ألا نستثني فردا او جهة في المملكة، كما يجب ان تكون حملات هذا البرنامج غير مقيدة التنفيذ بزمن محدد كأسبوع المرور مثلاً.. بل حملة مفتوحة لا نغمض فيها أعيننا حتى نحقق الهدف.من المعروف أن البنى التحتية هي الانتاج المادي، والبنى الفوقية هي الانتاج الفكري، ونحن نهتم بالأولى بينما لا نعطي الثانية الاهتمام الذي تستحقه، وإحدى القواعد الذهبية تقول: كلما ازداد الوعي تنامت الثقافة، وأرى أن نفعل دور المدارس المرورية أسوة بالدول المتقدمة، فهناك تقرر المحاكم الدراسة فيها لمن خالف نظام المرور أو اشترك في حادث مروري، ويفرض عليه الدراسة بها لمدة أسبوع أو شهر أو خلافه، حسب مخالفته أو الحادث الذي تسبب فيه كي يتزود بالوعي المروري اللازم، ولكي يكف أذاه عن الآخرين، ولا شك أن هذا سينجب لنا - بإذن الله - جيلاً واعياً فيما يتعلق بسلوكيات وآداب المرور، وسينعكس على طريقتنا في القيادة وستنتهي معاناتنا المرورية غير المبررة.