الاستيقاظ متأخراً
يقولون: عُمر المرء ينتهي، والعمل لا ينتهي. بهذه العبارة الحادة كنصل سيف بدأ حديثه معي الرجل الذي عرفته منذ سنوات طويلة، وكان يصف نفسه بحصان المسافات الطويلة، وإذا كان في حالة مزاجية عالية كان يتندر ويصف نفسه بدودة الملفات المعقدة. خفتت كل دوافع العمل والإنتاج كما كان يسمه لديه، ولم يبق من كل ذلك التاريخ الحافل إلا آهات كان يخرجها بصعوبة، وكأنما يخرج معها أجزاء من روحه. بعد السلام العابر طلب مني مرافقته إلى مقهى قريب من عمله، واقترح مكانا بعيدا نسبيا عن الجالسين من الزبائن، وتقل فيه حركة العاملين نصف الكُسالى. وجلسنا ولم يمهلني أن اسأل عن شيء وراح يتحدث بإسهاب وكأنما يريد أن يجيب بطريقة سحرية عن الأسئلة التي ملأت رأسي منذ انطلاقنا من الممر القريب من مكتبه، حتى استقر بنا المقام في طاولة شبه معزولة في مقهى صغير بشارع الناصرية العام. قال بصوت يسترجع فيه ذكريات سنين مضت: عدت أخيرا من عمل مرهق تُوج العام الأول منه بعملية جراحية لتركيب دعامات معدنية لتدعيم سريان الدم في الشرايين التي سدتها السنين وإرهاق العمل المكتبي، وفي العام الثاني أخبرني الطبيب بانضمامي لمرضى الضغط والسكري وحملني أدوية، ونصائح تتعلق بالمأكل والمشرب، ونمط الحياة العام. أهم عبارة قالها الطبيب هي أنه يجب أن أتكيف مع الأوضاع الجديدة وإلا سأخسر أشياء كثيرة في مقدمة تلك الخسائر حياتي! بعد هذه السنين أحاول أن أتكيف ليس مع النظام الصارم للغذاء، ووجبات الطعام، وأقراص الدواء فحسب، بل حتى مع العمل الذي بدأت أخشاه كمرادف للموت. خاصة بعد أن عدت إلى عملي القديم في قسم المختبرات والبحوث وأخبرني رجل مقرب من مدير الدائرة بأن لديهم فائض من الموظفين ولا يعتقد أن الإدارة بحاجة إلى خبراتي وخدمتي. وشعرت بأني قد أعطيت للملل بدون مقابل عندما تقرر أن يكون عملي مع رجل لا يحب أن يقاطعه أحد ويعتقد أنه يفهم ما يدور في أذهان الآخرين، وأخبرني بعد أن حذرني طلب مني بود كاذب أن لا أنقل عنه لأحد بأن هناك جهة ما تتربص بي الدوائر. كم سخرت من كل ذلك العمل المضني لتلك السنوات، وانأ اسلم نفسي للضياع. اقترح علي الزميل أن أجرب كأس شاي بدون سكر على طريقته لعلي أكون أحد مريديه مستقبلاً، وقالها بصوت أعلى من المعتاد، وضحك بضجيج مسموع. أشفقت عليه من داخلي، وكنت قد فكرت - غفر الله لي - وأنا أستمع إلى قصته الطويلة أنه ربما بالغ بعض الشيء، ولكني على كل حال تماسكت كما يجب للإنسان أن يستمع إلى مقاتل عنيد يسقط فجأة في معركة صممت بنفس مملوءة بالتآمر، ودعي إليها المرتزقة عوضاً عن المحاربين الشرفاء. فارقت صديقي القديم وقررت أن اكتب للناس بأن الحياة هي العمل والعمل جزء مهم من الحياة، وليت أننا نتنبه إلى جزئية مهمة وهي أن التوازن مطلوب في كل شؤوننا، والاهم من ذلك أنه من الصعب أن نلقي بخبرات الناس ومعارفهم العملية على قارعة طريق الإهمال أيا كانت الأسباب. المنطق وربما الإدارة الرشيدة تتفق مع النظرة العاقلة التي تؤيد الاستفادة من الطاقات والأفكار والخبرات بقدر الإمكان. المجتمع والطاقة الإدارية والوظيفة الوطنية هي التي تخسر في النهاية عندما تهدر كفاءة ويشعر صاحبها بأنه كان نائما، أو مغيبا عن الوعي عندما كان يعمل بقلب ورب. وعندما أصبح عدوا للعمل والحياة شعر انه استيقظ على الحقيقة متأخرا.