النبي الإنسان
حين يتأمل الباحث في ملامح الحركة التاريخية قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده فإنه لن يحتاج لجهد ليستظهر حقيقة موضوعية أكبر من أن تتوارى في ثنايا التاريخ، هذه الحقيقة الموضوعية هي أن هذه البعثة كانت إيذانا بثورة شاملة عملت عملا لا يماثله عمل في التاريخ في تغيير علاقات الأحياء بعضهم ببعض، ما حدث كان تحريرا للإنسان.لقد كانت هذه البعثة إيذانا بثورة شاملة، حررت الإنسان، ورفعت عنه إصر عبوديات كثيرة كانت تعيق انطلاقه، فأخذ الإنسان حريته بوحي معصوم، وصاغ به هوية الزمان والمكان والإنسان صياغة جديدة فجرت عناصر الخير في كل شيء.إن التاريخ في هذا الشأن لا يستطيع أن يكذب على نفسه، لقد كانت بعثته صلى الله عليه وسلم ثورة من أجل إنسانية الإنسان، تكاد تشكل كل ملامح رسالته الشامخة هذا المعنى، فالقيم والأعراف والمبادئ والنواميس والأحكام والشرائع والقضايا والمقولات التي يمكن أن تشكل في النهاية مجموع الرسالة الإسلامية ليست ذات أهمية لو فقدت محور وجودها الذي هو الإنسان.لقد كان تحرير محمد صلى الله عليه وسلم للإنسان تحريرا مقصودا، ولذلك فإن حجم هذا التحرير يعطي قناعة بأن كل ما تسببت به إقامة الرسالة من آلام وجراح كانت محل إيمان رسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لأنها وإن نزفت دما هنا فلقد أوقفت دماء بلا حدود هناك، وإن كان في تلك المعاناة من ضحى بماله ونفسه فإن تلك المعاناة قد استحالت بكل تفاصيلها في تاريخ الإنسان على امتداد هذا التاريخ إلى يد بارة تمنع ما لا يتصور وقوعه من الدماء والجهل والفساد في البشرية.إن تلك المعاناة بكل تفاصيلها وما أوقعته من نزيف وآلام وتضحية عدلت مسار الإنسان والتاريخ، وأتاحت لكل صادق أن يقبض في رحاب كل زمان ومكان على إنسانيته حفظا لها بكل ما يملك من قدر وقوة، وفرارا من طوفان الرجعة إلى جاهلية الشجر والحجر وجهالات العقول وحروب الأعراق ومفاسد اللذات.لقد كان الإنسان قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكئ في قناعاته على كثير من مسلمات الخرافة والجهل وسفه العقليات الظلامية المتناقضة والاستبداد والظلم وضياع الانسان وحيرته، فأطلقت بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم بزناد الوحي الهداية في الانسان في ثورة عارمة استنار بها العقل والجسد والروح فارتفعت راية الحق وسارت بها الركبان شرقا وغربا وأتم الله نوره.لقد زلزل هذا الإنسان بثورة العقل معاقل الخرافة، وأسوار الجمود والانغلاق، فأطلق لفكره العِنان يجول في أنحاء الزمان والتاريخ والكون والثقافات، يشيد منها ما يراه ملائما للتطور، ويشيد على أنقاض بعضها الآخر ما يراه عاجزا عن الطموح في اندفاعه مع تيار التواصل الكوني والإنساني.كما زلزل هذا الإنسان بثورة الجسد مقاصير العنت، ومناطق الخوف، وأحراش الرهبة، فأطلق للإبداع الإنساني آفاق طموحه المشروعة، وأمّن لخطوات التاريخ على طرائق الخير والحق، وجعل من القيمة وحدها مقياس التوافق مع الوجود الإنساني النبيل الذي يرفض أن يشارك في مهزلة الأعلى والأدنى على ضوء مقاييس البطش والإرهاب.كما زلزل هذا الإنسان بثورة الروح النقية تاريخ الهمجية على الأرض، فجعل أشواقها العليا تلوذ ببارئها فتستريح من قرّ وحر المخلوق الغاشم، وارتقى بطموحها إلى المعالي فلم يجارها في السعي ملوث الروح بشوائب الكفر وعبودية المخلوق.هكذا توافقت ثورة العقل والجسد والروح التي أطلق حركتها الأولى المباركة بعثة رسول السلام والإنسانية والحق محمد صلى الله عليه وسلم لتؤلف في النهاية المسلم الصادق الذي يأبى أن يكون على الأرض بليدا بلا عقل، أو كاسدا بلا فعل، أو معطلا بلا طموح. إن تغيير الإنسان ليكون إنسانا هو أساس التحول الذي قاده النبي الإنسان محمد صلى الله عليه وسلم في أحلك فترات التاريخ وأعظمها جهلا وفسادا.