عبدالله الغنام

بذرة النوابغ

لا شك أن أي عائلة سوف تفتخر حين يكون أحد أبنائها نابغة في علم من العلوم، وسيحلقون فوق السحاب من الفرحة لو كان لديهم اثنان من أبنائهم نوابغ، ولكن أن يكون لدى أسرة واحدة 3 نوابغ، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. في القرن الثالث الهجري عاش ثلاثة اخوة علماء كانوا نوابغ في عدة تخصصات علمية (الهندسة الميكانيكية والفلك والجغرافيا). أحد انجازاتهم جاء عن طريق أخوهم الأكبر حيث كان رئيسا للفريق الذي أرسله الخليفة المأمون لقياس محيط الأرض!! والعجيب الجميل أنهم وجدوا أن محيط الأرض يساوي 41247 كيلو مترا، وبالمقارنة بما قاسته الأقمار الصناعية عند خط الاستواء فهو يساوي 40076 كيلو مترا، أي أن نسبة الخطأ لم تتجاوز 3 %!!.ومن إنجازات الاخوة الثلاثة (محمد وأحمد والحسن) عدة كتب علمية رصينة، ولكن من أشهر كتبهم كان في علم الميكانيكا الحديث (الحديث في عصرهم طبعا)، وسموا كتابهم "الحيل النافعة". والكتاب فيه ما يقارب من 100 تركيبة ميكانيكية مع شروح تفصيلية، ورسوم هندسية، تشمل أذرعة تدوير وتحكم آلي، والصمامات مختلقة الأحجام والأشكال، والنافورات الآلية، موزعات مائية، ومصابيح ذاتية، وغيرها الكثير من الاختراعات والابتكارات.ولسنا هنا بصدد السرد التاريخي، بل للاستفادة من تجربتهم؛ لأن طلابنا وطالباتنا اليوم هم امتداد لهؤلاء!! فالتاريخ يمكن أن يعيد نفسه ولكن بأشكال وطرق مختلفة بشرط أن نتبع طرقهم المنهجية العلمية، وحماستهم المتقدة. ولنا مع هؤلاء العلماء (بنو موسى بن شاكر) وقفات ولمحات لعلنا نشعل حماسة من كان في قلبه ذرات من أمل، ويعتقد جازما أن شمس العلم ستشرق من ديارنا مرة أخرى.أولا: عندما تجد مثل هؤلاء فتش عن دور الأم أو الأب، ولقد كان أبوهم من علماء عصره، ولذلك اهتم برعايتهم منذ صغرهم، أضف إلى ذلك أن الخليفة المأمون أحاطهم أيضا برعاية خاصة بعد وفاة أبيهم، وكل ذلك يدل على أهمية رعاية المواهب منذ نعومة الأظافر.ثانيا: حين عملوا كإخوة في كتاب واحد جسد ذلك مبدأ أن العائلة الواحدة كالحزمة الواحدة هي أقوى وأجمل وأبقى، وأن الفرد الواحد كالعود المنفرد سيكون كسره أسهل وأسرع!. وفي المقابل، وللأسف كم رأينا في عصرنا من نزاعات وصراعات بين إخوان وأخوات من أجل حفنة من ورث ومال قد ذهبت وذهب أصحابها! فأين نحن من الحزمة الواحدة؟ وأين نحن من يد الله مع الجماعة كما جاء في الحديث الشريف.ثالثا: كانت لديهم أمانة علمية راقية، فلم يدعوا لأنفسهم اكتشافات كانت لغيرهم!! مع توفر الظروف، حيث لم يكن في عصرهم حقوق تأليف ولا مكاتب لتسجيل براءة اختراعات، ومع ذلك فقد ذكروا في عدة مواضع من الكتاب أسماء لعلماء سبقوهم في بعض الاكتشافات.رابعا: ومن اللمحات المهمة أن يعمل الإنسان في المجال الذي يهواه مع بذل الجهد والعمل، فذلك الذي يجعله يستمتع ويبدع، وهو الذي يبقى له من بعده ذكرى وأثرا. وقد قال عنهم ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان: "وكانت لهم همة عالية في تحصيل العلوم القديمة وكتب الأوائل، وأتعبوا أنفسهم في شأنها".خامسا: حين رجع الأخ الكبير محمد بن موسى إلى بغداد من إحدى رحلاته العلمية توقف في حران، وهناك اكتشف موهبة لفتى يافع، فأخذه معه إلى بغداد، ورعاها حتى كبرت تلك الموهبة، وأنتجت عالما نابغة اسمه ثابت بن قرة، والذي لقب بإقليدس العرب (وقد كتبت مقالا سابقا عنه). ولذلك، النوابغ لا يظهرون من فراغ ولا فجأة، بل نحن الذين من حولهم نكتشفهم ونرعاهم كالبذرة لتصبح شجرة، أو نمنع الماء عنهم، فتبقى بذرة منسية تحت التراب!!.