هل إن أنفقنا أكثر على التعليم نصبح أكثر تقدماً؟
ارتفع الانفاق على التعليم ارتفاعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة ليتجاوز 7.5 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، ليزيد ما أنفق على التعليم في العقد المنصرم على التريليون ريال، مقارنة بنحو 3.3 بالمائة في العام 1970 و4.5 في العام 1990. ولعل البيانات المنشورة عن الميزانية خير شاهد على ذلك. وكان ذلك ضرورياً للارتقاء بمرافق التعليم في الأساس؛ للاستغناء عن المباني المستأجرة لتحل محلها مبان تعليمية ملائمة، وكذلك للتوسع في بناء مدن جامعية بحيث لا تخلو منطقة إدارية في المملكة من جامعة حكومية واحدة على الأقل، فضلاً عن التجهيزات وتقنيات التعليم.السؤال: هل الزيادة في الانفاق على التعليم تؤدي لزيادة النمو الاقتصادي؟ هل من علاقة سببية بين الأمرين؟ الانطباع العام هو، ثمة علاقة بين تحسين أوضاع الفرد وتعليمه، وستجد من الأدبيات ما يؤيد ذلك عموماً، وستجد أن في العديد من البلدان أجريت دراسات مستفيضة لفهم العلاقة بين الانفاق على التعليم والنمو الاقتصادي، المؤدي إلى الازدهار الاقتصادي للبلاد.حتى وقت قريب كان من مدراء جامعاتنا من يأنف أن يربط بين خريجيه والتوظيف في سوق العمل، قائلاً: نحن نُعَلّم، وليس مهمتنا التوظيف. اختلف الأكثر كثيراً الآن، ولكن ليس للحد الكافي؛ فأصبحت الجامعات تدرك أن الاختبار الحقيقي لها هو قدرة خريجيها على الحصول على وظيفة، وأن أحد عناصر التنافس هو قدرة خريجيها للحصول على أفضل الوظائف مقارنة بخريجي الجامعات الأخرى. وبدأنا نشاهد جامعاتنا تعتني بتأسيس مكاتب للخريجين لمساعدة طلاب الجامعة في الحصول على فرص تدريبية في الصيف وللبرنامج التعاوني وعند التخرج. لكن هل منظومة التعليم ما بعد الثانوي متمحورة حول التوظيف؟ ومستوعبة لمتطلبات سوق العمل؟ ومنغمسة في أن عليها المساهمة والتنسيق مع الجهات الأخرى (مثل وزارة العمل ووزارة الخدمة المدنية وسواهما ومع القطاع الخاص) لتحقيق هدفين مباشرين: توظيف خريجيها، ودعم الإنتاجية والنمو الاقتصادي للبلاد بتخريج ما تحتاجه سوق العمل.هذا إجمالاً، أما تحديداً فلم نربط –حتى هذه اللحظة- بين التنمية والتنويع والنمو الاقتصادي وبين التعليم العام ربطاً قائماً على استيعاب العلاقة السببية بين التنمية والتنويع والنمو الاقتصادي، ليس فقط من واقع أدبيات الأمم المتحدة، ولا من واقع أدبيات الاتحاد الأوربي، وليس بالاطلاع على بحوث منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ولا حتى بالتمعن بما فعلته كوريا الجنوبية أو فنلندا أو ماليزيا، بل من خلال بحوث ميدانية على مجتمعنا السعودي؛ فالتنظير مهم، ووضع الأطر الفكرية لإنجاز البحوث كذلك مهم، ومهمٌ الاطلاع على تجارب الدول والمجموعات الاقتصادية الأخرى، لكن يبقى واقعنا هو واقعنا، بمعنى أننا لن نستطيع "نسخ" ما يُعمل في فنلندا و"لصقه" عندنا. ولعل من المقبول الجدل أننا لا نعرف كثيراً عن حقيقة العلاقة بين الانفاق الحكومي على التعليم وتنميتنا الاجتماعية-الاقتصادية والتنوع والنمو في اقتصادنا الوطني. والمَطلب هنا ليس المعرفة من أجل اشباع الفضول، بل لتتمكن الجهات المعنية من وضع سياسات مستندة إلى الواقع كما هو، وليس لانطباعات، ولا إلى استحسان ما طُبق هنا وهناك. أما المَطلب الثاني فيكمن في تصميم سياسات للربط بين التعليم والتنمية الاجتماعية-الاقتصادية من جهة، وللربط بين التعليم والتنويع الاقتصادي من جهة ثانية، وبين التعليم وحفز النمو الاقتصادي من جهة ثالثة. والمَطلب الثالث هو وضع خطط تنفيذية لتحقيق أهداف تلك السياسات، فمن خلال ما يتطلبه التنفيذ من موارد سندرك كم ينبغي أن ننفق، بمعنى أن الانفاق الحكومي على التعليم لن يكون واقعاً تفرضه سوق النفط، بل احتياجا علينا تلبيته باعتبار أن تنافسية نظامنا التعليمي من حيث جودة المخرجات وتنوعها هو الدعامة الأساس لمنافسة الأمم.ندرك جميعاً، أن النقاش هنا لا يجادل حول أهمية التعليم عموماً، لكنه يتناول نقطة محددة تهتم بالصلة بين التعليم وتحقيق أهدافنا الاقتصادية، انطلاقاً من أن هذه الأهداف الاقتصادية تعني استقرارنا وازدهارنا وتنافسيتنا، فهي أهداف محورية ارتكازية لحاضر ومستقبل بلادنا. وعلينا تذكر، أن غياب السياسات الرابطة بين التعليم والاقتصاد، وبالتالي تذبذب الانفاق على التعليم تبعاً للتذبذب في إيرادات الخزانة العامة، كان قد أدى إلى تأخر منظومة التعليم عن مجاراة التنمية والتنوع والنمو على مدى ربع قرن كماً ونوعاً، ويمكن القول إن سوق العمل واقتصادنا ككل يعيش تبعات ذلك، وأبرز تلك التبعات معدل مرتفع للبطالة بالتزامن مع استقدام آلاف العمالة الوافدة يومياً! مما يتطلب أن نعمل منهجياً وميدانياً لاستخلاص السياسات الرابطة بين التعليم والتنمية والتنويع الاقتصادي والنمو الاقتصادي، ووضع خطة وتنفيذها ورصد الأموال اللازمة لها حتى لا تتوقف، فيؤدي ذلك لتراجع تنافسية اقتصادنا الوطني.