طرفة عبدالرحمن

«الحكومة الأبوية»

عندما تتكفل أي حكومة في العالم بمعالجة القضايا الاقتصادية الشائكة والبسيطة في دولتها بطريقة مباشرة ومتكررة، بأسلوب دعم أو تحفيز للتجار الصغار والكبار، أو بطريقة تحاول معها ضبط الأسعار والتدخل قدر المستطاع في السوق التجاري التنافسي للحد من تنامي (المغالاة الربحية) فإنها –أي الحكومة- بوضعها هذا تمارس دور «الحكومة الأبوية»، ورغم أن هذا الدور الذي تقوم به يعتبر نبيلا وضروريا أحيانا، إلا أن كثيرا من دول العالم ترفض هذه السياسة، كونها تتعارض مع القيم الرأسمالية التي تكفل المتاجرة والتنافس الحر بكل أشكاله، والتي تؤمن أيضا بأن السوق الاقتصادي الذي يديره (الرأسماليون) سوق حر تماما ويكفل تنظيم نفسه بنفسه بدون تدخل الحكومة، حتى لو عصفت به الأزمات وتضرر منه الناس. والموضوع يتعدى القضية الاقتصادية، فبعض الدول مثلا لا تتدخل حكوماتها إلا بشكل يسير في الإعانات الصحية والتعليمية والشؤون المجتمعية، وتترك هذا العبء على برامج المسؤولية الاجتماعية ومؤسسات المجتمع المدني، وأخيرا فإن دور الحكومة أيضا في الجانب الثقافي والديني يكاد تدخلها أن يكون معدوما، خاصة في تلك المجتمعات التي تحيد مسائل الدين وعقائده عن النظام التعليمي والتشريعي. ورغم أن كثيرين يرون إيجابية هذا النوع من تنظيم العلاقة بين الحكومة والنظام التعليمي والاقتصادي والاجتماعي والديني الذي يحاط بالفرد، إلا أن مساوئه تفوق حسناته، فهذا التنظيم رفع نسبة ضحايا الرأسمالية في المجتمعات المتقدمة قبل النامية والمتأخرة، وجعل من الأفراد مكائن يحركها الكد في العمل بنزعة فردية نرجسية روتينية، أفراد لا يؤمنون بقيم عقدية معينة تهذب صحتهم النفسية، ففي الوقت الذي يعيش فيه العرب أزمة تطرف ديني وفكر إرهابي، يعيش فيه الغرب هذه الأزمة لكن بصورة مختلفة تماما، لسنا هنا بصدد نقدهم بغية استشعار نعمتنا الدينية والاجتماعية مقارنة بهم، فالحقيقة أننا جميعا نعيش هذه الأزمة لكن الفرق أن حكومات بعض الدول العربية تتدخل باستمرار في معظم شؤون مواطنيها بغية الإصلاح وتدارك الأزمات بكل أنواعها، الاقتصادية، الفكرية، الدينية. حتى أن بعض هذه الحكومات تتحاشى مثلا فرض الضرائب على مواطنيها، وتدعم بعض السلع الغذائية بقصد المحافظة على الأسعار في الحد الممكن، وتتيح بالمجان الخدمات التعليمية والصحية، وتتدخل بالبرامج والخطط في معالجة الانحرافات الفكرية المتعلقة بالتطرف والإدمان وغيرها من خدمات كثيرة لا توفرها كثير من حكومات العالم.. إن المغرمين بسياسات الدول المتقدمة لا ينقلون لنا في معرض نظرياتهم ووجهات نظرهم سوى الجوانب الإيجابية في حياة المواطن الغربي وسياسات حكومته، ويغفل عامدا أو جاهلا الحياة الصارمة التي يعيشها ذلك الفرد. ورغم أن الحكومة عندنا لا تمارس دور «الحكومة الأبوية» -كون تدخلها يتعدى الجوانب الاقتصادية في حياة الفرد، ويشمل الاجتماعي والثقافي منه ويجوز تسمية دورها بـ «الحكومة الوالدية»- إلا أن هذا الدور يقابل بالنقد الذي لا ينفك، بلغة مجحفة تبخس كل حسنة، ربما لم تجد بعد كثير من الأقلام الصحفية ووجهات النظر معرفة الفرق بين النقد لتقويم الخلل و«الجحود»، أو ربما يجد المنتقدون لكل صغيرة وكبيرة في استراتيجيات التنمية الوطنية، هذا الأسلوب مثيرا وجاذبا للجماهير التي اعتادت محبة «النحيب النقدي» في اللغة الإعلامية، فأصبحت ترى الوطنية والشرف والإخلاص في الشخص الذي ينتقد بحدة دور حكومته بينما ترى انخفاض الوطنية والإخلاص فيمن يفعل العكس من ذلك، بل وتنعته بـ (المطبل) المنافق الذي يلمع لأجل مصلحة.!