خليل الفزيع

التحرش .. والعقاب الصارم

لا أعرف لماذا لا نجابه الظواهر السلبية قبل تفاقمها، ولا نهتم بها وبشكل جدي، إلا بعد أن يستفحل أمرها، وقد لقنونا منذ الصغر: إن الوقاية خير من العلاج، وعندما كبرنا لم نستفد من هذه الحكمة البليغة في حياتنا الخاصة والعامة، فعلاج المرض قبل استفحاله أمر له آثاره الإيجابية المعروفة على المستوى الأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي، وأقول الاقتصادي لأن تكلفة علاج المرض – أي مرض – أعلى بكثير من تكلفه الوقاية منه، ومن الأمراض الأشد فتكا بالمجتمع وقيمه وأخلاق أفراده، مرض التحرش الذي ورد إلينا، وأصابنا في مقتل، بعد أن تجاهلناه عن جهل أو تهاون، حتى وصل إلى ما وصل إليه، لنجأر بالشكوى، ونجهر بالتنديد والإدانة، وندعو للخلاص منه. وما زالت حادثة التحرش بفتاتين في جدة تتفاعل على المستويين الرسمي والشعبي، وهي وإن تكن غير مستغربة في مجتمع تكاد تنعدم فيه الضوابط الخاصة لمكافحة هذا الداء، ويغيب فيه الوعي بخطورة هذه الحالة، إلا أن تبريرها يزيد المشكلة تعقيدا ويهيئ لآخرين فرصة ارتكابها تحت مظلة ذلك التبرير، وهو أمر توفره الظروف المتمثلة في عوامل عدة، منها التسيب الأسري، والبطالة، وضعف الوازع الديني، وانعدام الوعي الإنساني باحترام الناس، والأهم من ذلك غياب القانون الحازم والعقاب الصارم في التعامل مع حالات التحرش التي قد توصل مرتكبيها في بعض الدول إلى الإعدام، شأنها في ذلك شأن تهريب المخدرات، والسطو المسلح، وترويع الناس، وكل ما يأتي تحت عنوان الإفساد في الأرض، وتعاليم ديننا الإسلامي الحنيف هي الأكثر حرصا على محاربة كل مظاهر الإفساد في الأرض، ومع ذلك فإن هذه التعاليم لم تمنع بعض المتحرشين من ارتكابهم جريمتهم، ليس لجهلهم بها، بل لتهاونهم في التعامل مع هذه التعاليم، والتفريط فيها. وفي ظل التقنيات الحديثة والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل الاجتماعي، تتفاقم المشكلة أكثر، وتزداد تعقيدا خاصة بعد أن أصبحت أجهزة الهواتف الذكية كما تسمى، متاحة لكل من هب ودب، سواءً كان صغيرا أو كبيرا، فلا أمان لمن يعيش حالة هذا التسيب الاجتماعي العام، ولا أمان لمن يبتعد عن تعاليم دينة.. لا أمان له ولا أمان منه، ولو سألت أحد هؤلاء المتحرشين: هل ترضى بهذا الأمر لإحدى قريباتك، لأجاب دون تردد بالرفض، فكيف يحق للمسلم إذا كان مسلما بالفعل، أن يرضى لغيره ما لا يرضى به لنفسه؟. الغريب في الأمر أن دولا أخرى لا تدين بالإسلام، لكنها أكثر تمسكا بتعاليمه من بعض الدول الإسلامية، فهي تسن قوانينها بما يترجم القيم الإسلامية دون قصد سوى استتباب الأمن في المجتمع، وتحقيق حرية الفرد وكرامته واحترامه، بينما تضيع هذه القيم في مجتمعات إسلامية كثيرة، لا تسن مثل هذه القوانين، اعتمادا على أن هذه القيم مسلم بها لدى جميع المسلمين، وهناك فرق بين معرفة القيم، وبين تطبيقها، فلا فائدة من معرفة لا تؤدي للتطبيق على الوجه الذي توجبه هذه المعرفة، وهذه الإشكالية بين المعرفة والتطبيق تكان تنحصر في المجتمعات الأقل وعيا، والأكثر تجاهلا وتبريرا لأخطاء أفرادها، ليستمرئ هؤلاء الأفراد الخطأ بعد الخطأ، فمن أمن العاقبة أساء الأدب، دون أن يدرك فداحة الخسائر المترتبة على هذا السلوك غير السوي، وما يعنيه من انحراف أخلاقي ونفسي. لقد آن الأوان لوضع حد لهذه المهازل التي تمارس على رؤوس الأشهاد وفي الأماكن العامة، فلا تكفي الكتابة عن التحرش والتنديد به، بل لا بد من وجود قانون رادع وحاسم، وعقاب صارم في التعامل مع هذا السلوك غير الأخلاقي. إن كرامة المواطن أغلى من أن يسيء إليها الجهلة، وذوو السلوك المنحرف، والمستهترون بتعاليم الدين الحنيف، وقيم المجتمع وعاداته وتقاليده، ووحده القانون يحمي الناس من شرور العابثين والمفسدين في الأرض. *رئيس مجلس إدارة نادي المنطقة الشرقية الأدبي