نغمة «صُنع في بلدي»
لو دخلت محلا لبيع الأجهزة الكهربائية أو المعدات أو الآلات أو حتى السوبر ماركت وعُرضت عليك عدة سلع، هل سوف تسأل أين منها "صنع في بلدي"؟ ولا أريد منك الجواب الآن، بل أريدك أن تقرأ هذه القصة أولا قبل أن تجيب على السؤال؟!في عام 1930 ميلادية استطاع الطياران الفرنسيان كوست وبيللونت اجتياز المحيط الأطلنطي من نيويورك إلى باريس برحلة طيران متواصلة من غير توقف. وقد احتفلت كل فرنسا بهما حيث تحدثت وطبلت لهذا الانجاز الجرائد والمجلات والمدارس والأندية الأدبية، الكل كان يتحدث عن هذا الخبر وكأنه النصر المبين، بل كأنه فتح الفتوح، فقد كان شعارهما "النصر أو الموت". وقد اعتبرا بطلين قوميين ورمزين للبلد. ووصل الأمر بحاكم المدينة أن يطلب من الباريسيين أن يضعوا فوق كل بيت علم فرنسا، وأن يكحلوا شرفات المنازل بالأزهار.الغريب أنهما لم يكونا أول من قام بتلك المحاولة!!، بل سبقهما بإحدى عشرة سنة (1919ميلادية) البريطانيان آرثر بروان وجون ألكوك حيث قاما بأول رحلة طيران تعبر المحيط الأطلنطي من نيوفاونلاند على سواحل كندا إلى ايرلندا، وقطعا مسافة 3136 كيلومترا، وهي تقريبا نصف المسافة التي قطعها الطياران الفرنسيان من نيويورك إلى باريس.ما يهمنا في القصة هو لماذا احتفلوا بهما وبزخم إعلامي هائل؟!، وقد سبقهما بهذا الانجاز عدة دول بمحاولات ناجحة. السبب وراء ذلك أنهم كانوا يفتخرون بأن المحاولة الناجحة هي فرنسية خالصة 100 % حيث إن الطيارة والمحركات، وجميع أجهزتها صنعت في المصانع الفرنسية، ولذلك كانت هي وما زالت من الدول المتقدمة لأن العواطف والأفعال كلها للوطن.إذاً القصة أظنها تعطيك جوابا واضحا على السؤال الذي ذكرته في بداية المقال. إذ لابد من الاهتمام الشديد بموضوع الصناعة الوطنية. وذلك من خلال الحرص على أن تكون أول اختياراتنا عند الشراء بلا منازع. نعم اتفق معك قد تكون بعض المنتجات في بداياتها، وليست عالية الجودة مقارنة بغيرها (وهذا أمر طبيعي لمنتجات حديثة العمر) ولكن لابد من الدعم المادي والمعنوي لها حتى ولو لم تكن الآن ممتازة جدا وعالية الجودة، لكنها أكيد ستكون كذلك على المدى البعيد حين نشتريها، ونشجعها وندعمها!!.أضف إلى ذلك أنه لابد أن نشتري المنتج الوطني حتى لو كان المنتج أغلى من غيره بقليل، لأنه سيعود بالنفع على المصانع الوطنية التي تعمل بأيدي وإشراف وإدارة أبناء ورجال وطننا.ومن الأمور التي يمكننا القيام بها أيضا هو أن نسال أولا ودائما عن المنتج الوطني حين ندخل أيا من المحلات أو المعارض التجارية حتى يعرف الجميع أن هناك اهتماما منا بمنتجاتنا. وللأسف تعود البعض منا حين يدخل أيا منها أن يقول: أعطني المنتج الأمريكي أو الياباني! فهل تعتقد أنهم كانوا سيقولون مثلنا لو كانوا في مقامنا؟!إضافة إلى ذلك أنه لابد أن لا يقتصر الدعم فقط على الأجهزة والآلات والمعدات، بل لابد أن يشمل كل المنتجات الوطنية على اختلاف أنواعها وأشكالها من ملابس، ومواد غذائية، ومنتجات زراعية وصناعية، ومواد أساسية واستهلاكية وغيرها.إن كلمة "منتج في بلدي" لها نغمة خاصة تطرب السامع بافتخار. حين سمع الإمبراطور الياباني، هدير المحركات المزعج التي عرضت عليه لأول مرة قال: هذه أعذب موسيقى سمعتها في حياتي لأنها صنعت في اليابان!تلك النغمة "منتج في بلدي" لابد أن تحرك عواطفنا وأفعالنا نحو منتجات هي من صنع أيدينا حينها فقط تبدأ الرحلة الشاقة والممتعة إلى مصاف الدول المتقدمة.* م. الهندسة الميكانيكية