عبدالله الغنام

عيد التكنولوجيا!

اﻷعياد والمناسبات تختلف من بلد إلى آخر، منها ما يكون لها مناسبة تاريخية تذكر الناس بنصر مجلجل، ومنها ما يكون لمناسبة وطنية تذكرهم بالاستقلال أو الوحدة. وبعض من المناسبات هي للمتعة والمرح، وفيها احتفالات واستعراضات شعبية وتسمى بالكرنفال، وبعض منها جاء من أجل موسم من مواسم السنة كعيد الربيع.وأما عيدنا فهو شعيرة دينية له أحكامه وآدابه. وهو أيضا مناسبة اجتماعية، ويحمل في طياته عبقا من التاريخ، وبين ثناياه يوجد أيضا مساحة للمتعة والفرح. والإسلام حين يحث على شعيرة، فذلك لحكمة، وحتى حين ينهى عن شيء يأتي بالبدائل والحلول، لأن النهي لا يكون لذاته، بل أيضا لسبب وحكمة. ومثال ذلك أنه جاء في الحديث الذي رواه أنس بن مالك رضي الله عنه حيث قال: ‏كان لأهل الجاهلية يومان في كل سنة يلعبون فيهما، فلما قدم النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم‏ ‏المدينة‏ ‏قال‏: «‏كان لكم يومان تلعبون فيهما، وقد أبدلكم الله بهما خيرا منهما يوم الفطر ويوم ‏الأضحى».وسأبدأ الحديث عن عيد الفطر من ناحية شخصية، فما زلت أرى جمال المفاجأة في انتظار معرفة وتحديد يوم العيد لنكون على شوق في انتظاره. ويبدو ذلك الشوق واللهفة ظاهرا في وجوه الأطفال حيث تكثر أسئلتهم عنه ببراءتهم المعهودة. ولعلي أشبهه بمن ينتظر حبيبا مسافرا طال غيابه، فهو يردد في خاطره هل يأتي غدا أو بعد غد؟!.وأما من ناحية اجتماعية، فالعيد هو فرصة مواتية للأسر والأقارب والأصدقاء لوصل ما كان مقطوعا أو ما كان موصلا لكنه ذبل بطول الزمن وتباعد العهد!. والنفوس في العيد تكون أكثر استعدادا للتقارب والألفة، والجو العام مناسب جدا لأن نصل فيها القريب، ونقرب البعيد.ولكن في السنوات الأخيرة ظهر تأثير وسائل التواصل الاجتماعي الإلكتروني على التناغم الأسري الاجتماعي في أيام العيد. صحيح أنها قربت البعيد بفضل تلك التكنولوجيا، ولكنها في المقابل بعدت القريب! فتجد أناسا حريصين جدا على تهنئة بعضهم البعض أولا بأول عن طريق تويتر والواتس أب وانستغرام والفيس بوك وغيرها من الوسائل وهذا أمر محمود ورائع. ولكن في المقابل لا تجد نفس تلك الحماسة لزيارة الأقرباء!. بل إن البيت الواحد الذي يضم أسرة واحدة ربما يكونون آخر من يهنئون بعضهم بعضا حيث تقارب المكان والزمان ولكن تباعدت القلوب!!لقد بدأ تأثير وسائل الاتصالات الحديثة على سلوكيات الجيل الحالي واضحا وجليا، واعتقد أنه على مستوى الجيل القادم سيكون الاهتمام بالتواصل الاجتماعي الإلكتروني بين الأسر أشد وأكثر، وسيصبح السمة الأساسية. وعلينا أن لا نستغرب أن ينعزل الإنسان عن الإنسان كلما زاد شأن استخدام التكنولوجيا، بل ربما يأتي عيد نتقابل فيه على موقع تواصل إلكتروني أو اجتماع مرئي (لقاء فيديوي) بينما يفصل بيننا كيلومترات معدودة، لتصبح الزيارات العائلية الحميمة نادرة وعزيزة!وفي المقابل هناك جانب إيجابي للتكنولوجيا ساعدنا لمعرفة أحوال الأمة العربية والإسلامية، وهي الدائرة الاجتماعية الأممية الأوسع والأكبر على اختلاف الأجناس والأشكال، وتعدد اللغات والعادات، ليأتي العيد كشعيرة واحدة يذكرنا بمبدأ وحدة الجسد. ولكن للأسف تبقى هناك غصة وألم حين نرى أن أحوالنا على مستوى الأمة لا يدل على أن لنا دينا واحدا، وعيدا واحدا، وقبلة واحدة!وختاما كل عيد وأنتم بخير وصحة وعافية، وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال. وأعاده الله على بلدنا في أمن وأمان، وعلى الأمة العربية والإسلامية وهي أكثر تقاربا وتلاحما.