د. فالح العجمي

البشر وصناعة الأحلام

منذ أن أدرك الإنسان حدود وعيه، وهو يحاول تقصي أبعاد تلك الحدود، ويعاود التعرف على ما يمكن أن تدله عليه القرائن؛ سواء كان ذلك في شأن دواخله وعلاقاته بالناس والمحيط من حوله، أو كان متعلقاً بالمستقبل وما تخبئ له الأيام القادمة. وإحدى هذه الوسائل في سبر أغوار النفس هي العمليات غير الواعية، التي يمارسها الدماغ أثناء النوم، ويطلق عليها الناس الأحلام. وتكون القوى الذهنية المحركة للتفكير خلال فترة النوم في حالة استرخاء، مما ينتج عنها أن الإشارات العصبية، التي يرسلها الدماغ إلى مراكز الاستقبال المختلفة غير مكتملة العناصر، أو يوجد بين مراحلها شيء من التناقض. فيصبح بعضها مفرحاً، لارتباط نتيجته بما يتمناه المرء، وبعضها الآخر مفزعاً، لاحتوائه على ما يخيف المرء، مما يسمى الكوابيس. ونتيجة لتعامل الإنسان مع هذه الظاهرة على المستوى الفردي، أو على المستوى الجمعي في بعض الأحيان، نشأت تصورات تخصها، وأصبحت تنعكس بالتالي على تفكير الأفراد ضمن إطار ثقافتهم، فيما تنتجه أدمغتهم خلال مرحلة الاسترخاء، وتجديد خلايا الدماغ. إذ تكوّن لدى كثير من الناس اقتناع، بأن ما يشيع من معان مستقرة لتلك الأحلام ذات المحتوى المتماسك، هو حقيقة أو قريب من كونه واقعاً استشعره الدماغ أو قواه الداخلية، أو حتى ألهمته قوى غيبية تلك الإشارات. وبالطبع إزاء وضع ضبابي مثل هذا، ويحتوي على مشاعر عارمة من الفرح أحياناً أو الخوف، لا يمكن أن يغيب تجار الوهم؛ الذين يسوّقون بضاعتهم في تأويل الأحلام، وكأنها واقع لا يمكن دحضه، أو مستقبل آتٍ لا محالة. منهم من امتطى المكونات الدينية في المجتمع الذي يعيش فيه، ومنهم من ادعى معرفة بالتنجيم والكهانة إذا كانت هي ما يكسبه قبولاً أكبر، ومجالاً أوسع لأن يصدقه زبائن الوهم. وصلت الحال ببعض المجتمعات الخاضعة إلى الخرافة، أن من يحلم بأشياء محددة كالأسرار العسكرية أو ممارسة السحر يُعدم حرقاً، لأنه من عناصر العدو، التي زرعتها الأرواح الشريرة بينهم، ويتم التواصل من خلالها مع عناصر أخرى في ذلك المجتمع المعادي. لكن الاهتمامات بالطبع تختلف من بيئة إلى أخرى بشأن الرموز، التي يمكن العناية بها في تأويل الحلم، حتى وإن لم تكن الإجراءات واضحة، أو النتائج محددة في أي اتجاه. فقد تصفحت كتباً أوربية تهتم برموز الأحلام وتفسيرها موجهة إلى الغربيين؛ فوجدت العناصر، التي صنفت على أساسها تلك التأويلات تتوزع على موضوعات مثل: الطيور والملابس والمشاهير والزهور والماء (سواء كان ماء بحر أو نهر أو بحيرة وادعة)، وبالطبع تمتلئ تلك الموضوعات بأخرى فرعية، كأن يكون في المياه قارب تجديف أو صيد، وأن تكون البحيرة ممتلئة بالبط أو البجع إلى غير ذلك من المكونات؛ لكنها جميعاً تصب في تحليل نفسية صاحب الحلم، وليست متصلة بأحداث الواقع. وعندما تذكرت كتب تأويل الأحلام العربية، عرفت لماذا يركز تجار فكر التأويل على اهتمامات كل ثقافة؛ ففي المنطقة العربية مثلما هو دائماً الاهتمام بالمال والجاه والمناصب العليا من جهة، وبالزواج أحادياً أو متعدداً من جهة ثانية، وبالموت وتبعاته وطرق حدوثه أو الأحداث الكارثية من أمراض خطيرة أو عاهات من جهة ثالثة. أما تأويل هذه العناصر، فيتراوح بين طول العمر أو الموت، وما بينهما من حوادث وعاهات: إن رأيت ميتاً ودعاك، فأنت ستموت، وإن حصل كذا وكذا، فأنت ستصاب بكذا؛ وإن كانت ليلة رومانسية، فهو حصول على المال، لأن الدنيا عند العرب هي امرأة حسناء مغرية، موضوع العرب الجدلي!. أستاذ اللسانيات بجامعة الملك سعود