فهد الخالدي

«حرفة سعودية» في كل بيت

البرنامج الوطني للحرف والصناعات اليدوية، الذي ترعاه الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، برنامج واعد يسعى لتطوير الحرف والصناعات اليدوية وفق نظرة شمولية تهدف إلى تكوين قطاع اقتصادي جديد يساهم في توفير فرص عمل إضافية ومتنوعة، لا تقتصر على أصحاب الحرف فقط، بل ما يحتاج إليه هذا القطاع من المختصين لعمليات التسويق وعمليات التصنيع والخدمات المساندة بهذا القطاع الواحد، والأمر ليس كما يبدو للوهلة الأولى، حيث يظن البعض أن هذه الحرف هي مهن للبسطاء الذين لا يطمحون إلا للحصول على ما يسد الرمق بل ويبلغ بهم حد تلبية الحاجات المعيشية الأساسية فحسب، بل إنه في حقيقته مجال اقتصادي أكبر مما يظنون وهو قابل للتطوير واستيعاب اليد العاملة الفنية والمهنية والإدارية في مختلف المجالات، ومن مختلف التخصصات أيضاً. يتضح ذلك من خلال حديث سمو الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز رئيس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني خلال ترؤسه مؤخراً اللجنة الإشرافية للبرنامج الوطني للحرف والصناعات اليدوية "بارع". ومما يؤكد أن البرنامج يسير في خطى متوازنة وحثيثة هو تركيزه على تثبيت الجودة وحماية العلامة والتسويق والاستفادة من التجارب التركية والكورية وغيرها من التجارب الناجحة، وكذلك استفادة البرنامج من التجربة الإدارية الناجحة لهيئة السياحة والتراث الوطني واستثمارها في أعمال البرنامج، وكذلك اتجاه البرنامج للدخول في مجال التصنيع وتكوين تجمعات حاضنة للحرفيين تساعدهم على الإنتاج بكميات كبيرة قابله للتسويق بشكل واسع، إضافةً إلى أن يكون الإنتاج بجودة عالية قادرة على المنافسة أيضاً، وذلك بالتنسيق مع وزارة التجارة والصناعة وتعاون مع المستثمرين في إيجاد منشآت صغيرة ومتوسطة تتيح الفرص الوظيفية للحرفيين وتساعد من لديه الموهبة والاستعداد والكفاية في تطوير الحرف والمشاركة في الاستثمار. ومن العوامل التي تبشر بنجاح البرنامج وتحقيق أهدافه تركيز القائمين عليه على التدريب المتدرج والمتكامل، واعتبار المواطن مشروع استثمار مستقبلي وفق منظور ذكي إلى الاستفادة من المال العام، وضرورة أن يحقق ذلك عوائد لأكبر عدد من المواطنين وبما يدعم الاقتصاد المحلي، وهو منظور جديد لإدارة فرص العمل يتعدى الطموح إلى إنتاج هذه الفرص فقط، وقد ترجم هذا التطلع بالتعاون بين "بارع" والمؤسسة العامة للتدريب التقني وغيرها من الجهات العاملة في مجال التدريب في إطلاق مسار تدريبي ينتهي بالتوظيف أو بمشروع صغير أو متوسط يبدأ به المتدرب ويتم تمويله من البرنامج. إن من يطلع على أهداف البرنامج وخططه المستقبلية الواعدة وطموحاته المبشرة يزداد ثقة أن بلادنا تسير -ولله الحمد- على الطريق الذي يوصل في النهاية إلى الأهداف والآمال والطموحات التي نصبو إليها جميعاً، وأن لدينا ما يدعو إلى مزيد من التفاؤل والأمل، ولعل ما تم عرضه في بعض المعارض في المجالات الحرفية ما يؤكد ذلك ويدعمه، ومنها معرض منتجات الحرف الذي تضمن نماذج من أعمال المتدربين الذين شاركوا في الدورة التدريبية على صناعة الخزف في كوريا الجنوبية. إن الحديث عن برنامج الحرف اليدوية في هذا المقال لا يراد به أن يكون خاصاً بهذا المجال فقط، بل هو مثال على مجالات عديدة لا تعطى الأهمية التي تستحقها، فهذا المجال علاوةً على ما يمكن أن يوفره من فرص عمل وظيفية وتحسين لدخل الأسر والأفراد، فهو أيضاً يحيي بعض الحرف التي كانت شائعة في مجتمعنا وفي أكثر من جهة على امتداد الوطن الكبير، كما أنه يعرف الأجيال المعاصرة ومن يليها بالموروث الحرفي والمهني للوطن وهو جزء من إرثه الثقافي. ولمزيد من عموم الفائدة من هذا المشروع ومثله الكثير، فلعل التنسيق بين إدارة البرنامج والهيئة العامة للسياحة والآثار من جهة والجهات الخيرية في المملكة ينجح في استقطاب أبناء وبنات الأسر التي تتلقى المساعدات من هذه الجهات وتدريبهم على هذه المهن ومساعدتهم على إنشاء مشاريعهم الخاصة، أو العمل من المنازل بالنسبة للفتيات؛ ما يساهم في تحقيق أهداف القطاع الخيري في التحول بالأسر المستفيدة من تلقي المساعدات إلى الاعتماد على الذات من خلال برامج التدريب والتأهيل التي يمكن أن يكون هذا المجال من أولى المجالات المناسبة للانطلاق منها.. فهل يستطيع "بارع" فعلاً أن يجعل شعار "حرفة سعودية" واقعاً ملموساً؟؟