ماذا غيّر فينا رمضان؟
لا شك في أن المسلم قد استفاد من الأجواء الرمضانية، ولو راجع حساباته وتصرفاته في الشهر الكريم، الذي بدأت أيامه الأخيرة تنذر بالوداع المحتوم، لوجد أن الأجواء الروحانية التي عاشها في رمضان قد قربته من خالقه، وروضت نفسه لترك بعض العيوب، فالنفس المجبولة على الخير، لا بد لها من يقظة إن غفت، وعودة للحق أن انحرفت، وندم على الذنب إن أخطأت، وهذا يعني أن سلوك المسلم قد طرأ عليه من التغير الإيجابي ما ينسجم مع الشهر الكريم، وهذا التغير الإيجابي في رمضان، إنما هو نتيجة حتمية لمن يرى الحق حقا ويحرص على اتباعه، ويرى الباطل باطلا ويحرص على اجتنابه، ويجد في الشهر الكريم فرصته للعودة إلى طريق الاستقامة، وسبيل الصواب، ودرب الهداية، لكن ماذا بعد رمضان؟ هل سيستمر هذا السلوك الإيجابي مع كل مسلم خلال شهور السنة كاملة؟ هذا السؤال لا شك أنه طرأ على كل مسلم، تقض مضجعه أوضاع المسلمين، وما وصلت إليه حال بعضهم من انغماس في الممارسات الخاطئة، وانصراف عن الممارسات الإيجابية التي تخدم الفرد والمجتمع والأمة، فكثيرون في رمضان حرصوا على صلة الرحم، وكثيرون حرصوا على الصدقات، وكثيرون سارعوا إلى فعل الخيرات، وكثيرون صفت قلوبهم من الأحقاد والضغائن، وكثيرون أقبلوا على الله بقلوب خاشعة تستلهم الصواب وترجو المغفرة، وتسعى جاهدة في إخلاص الطاعات، وتجنب الموبقات، وكثيرون عمرت قلوبهم ومجالسهم بذكر الله وتلاوة القرآن الكريم، واستذكار الأحاديث النبوية الشريفة، واستلهام سيرة السلف الصالح، وكثيرون أيضا تركوا الممارسات الضارة التي استعانوا بالله على تركها، ثم بالصيام والعزيمة الصادقة على تجنب ممارستها، وكل تلك الأعمال، كانت أيام رمضان المباركة، ولياليه العامرة بالذكر سببا فيها، وهي أعمال استعان المسلم فيها بالله، فوفقه للقيام بها، وهذا يعني أن إرادة الإنسان قادرة بإذنه تعالى أن تحقق الغايات النبيلة، وتتجاوز العقبات الصعبة إذا تسلح بالإرادة، وأشهر سلاح العزم في وجه كل عوار في السلوك، أو نقص في الإيمان، فإرادة الإنسان قادرة على العبور به إلى شاطئ الأمان رغم أمواج المغريات المتلاطمة، ورغم تحديات الواقع الشرسة، وإذا كان رمضان قادرا على تهذيب سلوك الإنسان، فإن هذا السلوك جدير بأن لا ينتكس بعد رمضان، واستمرار الإنسان في هزيمة غرائزه وسلوكياته السلبية، دليل على قبول العمل الصالح منه، وحافز على الاستمرار في هذا العمل الصالح مهما كان صغيرا، لأن في احتساب الأجر طمأنينة النفس، وراحة الضمير، وإثبات قوة الإرادة التي تستطيع عمل المستحيلات وإنجاز الأهداف مهما كانت كبيرة وصعبة. وليس هناك ما هو أغرب من إنسان قادر وبإرادته وبتوفيق الله تعالى، على السلوك السليم في رمضان، ثم يتخلى عن هذا السلوك في الشهور التي تلي رمضان، فاستقامة السلوك من صفات المسلم الذي تخلى عن الكثير من الصفات الحميدة لغيره من غير المسلمين، ناسيا أو متناسيا أن استقامة السلوك من أهم صفات المسلم، وإن الرسالة المحمـدية جاءت لتتمم مكارم الأخلاق، وبذلك استطاعت هذه الرسالة ان تحقق العدالة والمساواة في العالم، وضربت المثل الأعلى في كل أمور الحياة، وكان المسلمون هم سادة العالم يوم أن كانوا متمسكين بدينهم، لا يبغون عنه بديلا، ولا يرضون بغيره دينا، ولا يفرطون في أي أمر من أموره. فما أجدر المسلم أن يحمل بين جوانحه روح رمضان في سائر أيام حياته، في عالم يمور بالتحديات، ويمتلئ بالعقبات، ووحدها الإرادة قادرة على هزيمة النفس الأمارة بالسوء، بإذن الله تعالى وتوفيقه. * رئيس مجلس إدارة نادي المنطقة الشرقية الأدبي