د. إحسان بوحليقة

صديقي بدر كُرَيّم

ما زلت أتذكر توهج تلك الأمسية حتى الآن، رغم مضي أربعة عقود ونيف عليها، عندما ذهب فريق متوسطة ابي بكر الصديق (رضي الله عنه) ليقارع تلاميذ النموذجية الأولى بالهفوف سابقا والأندلس حالياً، في عقر دارهم، في مسابقة ثقافية. ولم يكن الوهج سببه مجرد أننا في مباراة ثقافية أمام مدرسة متوسطة أخرى، بل بسبب أنها مسابقة كانت بالنسبة لنا، نحن الصبية الصغار، ليست ككل المسابقات. وعند الساعة المحددة دخلنا للقاعة المخصصة، فوجدنا استعدادات ومعدات لم نعهدها من قبل؛ كاميرات منصوبة ومصادر إضاءة شديدة. وقدم لنا صاحب الصوت الرخيم الذي لطالما سمعناه عبر المذياع بصوته العذب ولغته الجميلة المتدفقة، بدر كُريّم. كان شاباً باسماً دمثاً، وبحكم خبرته كان يدرك أننا في لُجةِ أجواء غير معتادة بالنسبة لنا، فكان يمازحنا يمزج وسط كلامه المتدفق تعليمات لنا، أين ننظر، وأن نحد من حركتنا ومن حركات أيدينا، وشدد على أن الحديث لابد أن يكون باللغة العربية الفصحى. كانت سعادتي بلقاء المذيع النجم «بدر كريم» تتجاوز سعادتي بأني سأظهر على شاشة التلفزيون، وما قد يعني ذلك من «إبهار» لفتيات الفريج!! وحقيقة، كنت حريصا عندما انتهى التسجيل أن أذهب لمصافحته. لم يكن لدي شيء أقوله للرجل، سوى السلام ومن بعد ذلك المغادرة. وكنت سعيداً، ساعة بث الحلقة بأن أتمعن كيف كانت المباراة، ولغةِ كل مشارك. لكن بقيت رخامة صوت وجمال لغة «بدر كريم» هي الأبرز بالنسبة لي. لفت الأيام، والتقيت مع أبي ياسر لقاءات مجاملة عابرة، إلى أن انضم إلى الشورى، فتعززت العلاقة، كان محباً للناس، فهو من يبادرك بالحديث باسماً. وما زلت أذكر أول مداخلة له بعد أن انضم لمجلس الشورى، ذات الصوت الذي سمعته وأنا طالب في المدرسة المتوسطة، وكأن السنين زادته تألقاً وجمالاً وحصنت الخبرة لغته من اللحن والتكلف. وفي أحد الأيام وقبل بدء الجلسة، وجدته حيث أجلس ينتظرني، وقال: لدي هذه المقالة أريد أن تنظر في جوانبها الاقتصادية، كانت مقالة مكتوبة بعناية، ولابد أنه راجعها أكثر من مرة، فقلت له ممازحاً: أرجوك اكتب فقط في الأدب وابعد عن الاقتصاد والأعمال حتى لا يكسد سوقنا؟ تقبل ذلك بابتسامة. وقد تعددت السجالات والنقاشات فيما بعد، حول مقالات وحتى مواضيع مطروحة في الشورى. كان من أكثر الناس انضباطا وتحضيراً للمواضيع التي على جدول الأعمال. أما الجانب الجميل من أبي ياسر، فقد تجلى في لقاءاتنا في الأسبوعية، عندما تتاح له الفرصة أن يمكث في الرياض، فتجد الحضور مأسورين بقصص أبي ياسر والمواقف التي تعرض لها في حياته العملية الزاخرة بالأحداث، سواء في الديوان أو في وزارة الإعلام أو في الإذاعة أو التلفزيون. ولطالما كان يذكر مواقف شهدها للملك فيصل بن عبدالعزيز (رحمه الله)، وقد جمع تلك المواقف في كتاب. ولم تكن كلها قصصا لأحداث، بل كانت له وجهات نظر في العديد من القضايا، من ضمنها أهمية تسييد اللغة العربية، وأن للإعلام دورا تنمويا كبيرا ولاسيما في بلدٍ ناش مثل المملكة. توفي د. بدر أحمد كريم، بعد أن رسم درباً من النجاح، بالكفاح والجلد، فقد بدأ حياته العملية رسمياً دون العشرين موظفاً في الجوازات، لكنه في الحقيقة عمل قبل ذلك مساعدا لوالده في الجمارك. وكان يعمل أولاً ويتعلم في مسار مواز، واستمر على تلك الحال حتى حصل على الدكتوراة. وجاهد للبقاء في دائرة الثقافة رغم مرضه في السنوات الأخيرة، فكان حريصاً على الالتقاء بالناس والتواصل معهم، وكتابة المقالات. كثيرون يعرفون الفقيد بعمق، لكن أجمل تعبير –في تقديري- هو ما وصف نفسه به، عندما احتفت به اثنينية معالي عبدالمقصود خوجة، حيث قال: الماثل أمامكم، ينبعي المولد، مديني النشأة، جدّي الشباب، رياضي الإقامة. لم أمضِ من عمري في ينبع إلاّ خمس سنوات، وعندما توفيت والدتي حضنتني خالتي ومن بعد زوجة عمي. واستمرت تنقلاته –يرحمه الله- حتى أصبح أحد نجومنا البارزين. أرجو الله أن يشمله بمغفرته ورضوانه، وأن يحسن عزاء أهله ومحبيه.