خليل الفزيع

ظاهرة الإسراف في رمضان

في كل عام وتحديدا في رمضان، يبدأ انطلاق ماراثون الأسعار صعودا ليصل إلى القمة، يساعده على ذلك تشجيع المواطن بتكديس لوازم رمضان، وكأن البلاد مقبلة على مجاعة، أو أن الأسواق المركزية والمولات سوف تغلق أبوابها مع بداية الشهر الكريم، وهذا النمط الاستهلاكي السائد يستغله ضعاف النفوس من التجار بزيادة سرعة انطلاق الأسعار دون (فرامل) المراقبة أو تأنيب الضمير، أو الخوف من متابعة المسئولين عن ارتفاع هذه الأسعار ممن يمكنهم الحد من ارتفاعها. هذا العام بدأ ارتفاع الأسعار في الخضار والفواكه والمواد الاستهلاكية الأخرى منذ دخول شهر شعبان، أما وقد أصبحنا قاب قوسين أو أدنى من الشهر الكريم، فقد أقبلت جيوش المشترين للهجوم على المواد الاستهلاكية، فما أن تدخل أحد المحلات حتى تجد طوابير المشترين وأمامهم عربات مليئة بالمشتريات، التي تكفي ليس لشهر واحد بل لعدة شهور، وبعضها قد تنتهي مدة صلاحيته، ليكون مصيره صندوق القمامة، وهذا أمر يتكرر كل عام مع الأسف الشديد، رغم أن ما تضمه موائد الإفطار يفوق كثيرا حجم الاستهلاك، فقد تضم مائدة الإفطار لشخصين أو ثلاثة، ما يكفي عشرة أشخاص أو أكثر، فتكون نسبة غير المستهلك منها تفوق بمراحل نسبة المستهلك، وفي النهاية تتراكم أكياس الزبالة حتى تخرج من حجم الحاويات ذات الحجم المحدود!وأسوأ ما تضمه مائدة الإفطار تلك الأنواع من المشروبات المليئة بالسكر والألوان المصنعة، والتعليب الرديء، ومنها أيضا تلك المشروبات المخزنة طوال العام لتجد رواجا لها في رمضان، حتى إن كانت منتهية الصلاحية، فإن لدى التجار وسائلهم الخاصة في تغيير مدة الصلاحية، مع أنها في الأساس ضارة ويأتي انتهاء تاريخ صلاحيتها ليزيد من أضرارها على المستهلك، ورغم تكثيف التحذيرات من هذه المشروبات - ومنها المشروبات الغازية - فإنها تلقى رواجا أكثر في كل عام.ثم لماذا تكديس البضائع الرمضانية مع أن الأسواق مفتوحة في كل الأوقات، ولماذا لا يتم شراء المواد الاستهلاكية كما هو الحال في بقية أيام السنة، وحسب الحاجة وليس حسب إشباع نهم السلوك الاستهلاكي الذي أصبح يسيطر على حياتنا، بشكل ملفت للنظر، وبدلا من أن يذكرنا الصيام بالمحرومين والفقراء الذين لا يجدون قوت يومهم، وما أكثرهم في العالم العربي الإسلامي، فإننا ننجرف وراء الإسراف الذي لا يليق بنا نحن المسلمين، وقد يكون بيننا من هو بحاجة، ولكن يمنعه التعفف من الطلب، وهو أحوج ما يكون إلى العطاء، ورحم الله تلك الأيام التي كانت فيها الأطباق الرمضانية تنتقل من بيت إلى بيت قبيل الإفطار، حيث يجد فيها المحتاج ما يغنيه عن مذلة السؤال، وهي الروح الجمعية التي تكاد تختفي من المجتمعات الإسلامية، وتحديدا من مجتمعنا الذي عرف بتكاتف أفراده وتعاضدهم في اليسر والعسر.كل عام نكرر هذا الكلام دون أن يجد الآذان التي تصغي وتعي ما يقال حول الإسراف في رمضان، وما عودة الكتابة عنه، إلا من باب التذكير والشكر للنعم التي يسرها الله لأهل هذه البلاد، وضرورة المحافظة عليها، وبالشكر تدوم النعم، وبالمحافظة عليها تنمو وتزدهر، رغم قلة الذاكرين الشاكرين. وفي هذا الجيل والأجيال القادمة أمل كبير في التخلص من ظاهرة الإسراف في رمضان، وأحيانا في غير رمضان، بحجة الكرم، مع أن الفرق واضح بين الكرم الذي هو دليل الرجولة وسمو النفس، وبين الإسراف الذي نهى الله عنه ورسوله الأمين صلى الله عليه وسلم.فمتى ينتهي ماراثون الأسعار في رمضان.