طرفة عبدالرحمن

الواقع الوهمي

تشكل قضية الأمراض والاضطرابات النفسية مرتكزا قد يكون رئيسا في كثير من الأحوال لمشاكل خطيرة لا تتعلق بالمستوى الاجتماعي فقط إنما تمتد للأمني والتنموي في المجتمع، فعلى المستوى الأمني قد تنتج لنا أفرادا مضطربين يمكن التلاعب بعقولهم واستخدامهم كأدوات لتنفيذ عمليات إرهابية من خلال تعبئتهم والعزف على عواطفهم دينيا، فالمكتئب أو الشخص الذي يعاني انخفاضا شديدا في تقدير قيمة الحياة وفراغا عاطفيا في محيط أسرته يجد ملاذا عاطفيا آمنا في الواقع الوهمي الذي يصوره بطلا يحمل رسالة وهدفا دينيا قيما ينتهي به إلى الجنة. ولا تقف المشاكل الأمنية المرتبطة بالعلل النفسية عند ذلك الحد فقط إنما تمتد إلى عالم الجريمة بشكل عام، فالمضطربون نفسيا هم الأكثر قابلية للانحراف وتعاطي المخدرات وتدهورهم اقتصاديا يدفعهم لممارسة أفعال إجرامية عدة، وكلما ارتفع عدد المجرمين ومتعاطي المخدرات علينا توقع ارتفاع في عدد الأسر المفككة وزيادة في عدد الأفراد غير المنتجين في المجتمع، وهذا ما دفعنا للقول في البداية إن هناك ارتباطا بين بعض الأمراض النفسية والمشاكل الخطيرة في المجتمع والتي تنعكس على المستوى الاجتماعي والأمني والتنموي.. بالطبع لا أريد أن يفهم من هذا التحليل أن كل مريض نفسي هو قابل للانحراف أو الإجرام أو التدهور الاجتماعي، لكن هناك دراسات علمية ربطت بين الجريمة وبعض الأمراض النفسية، المقصد مما سبق هو لفت النظر إلى الأهمية البالغة لقضية المشاكل النفسية وعلاجها. نحن نعاني قصورا في الاهتمام بهذه القضية يعكسه انخفاض مستوى الوعي العام بها، وهذه نتيجة متوقعة في ظل غياب دور الإعلام، الذي لم يهتم في رسالته كثيرا بهذا النوع من القضايا، كما أن مراكز العلاج النفسي تعاني قصورا في تغطية الاحتياج القائم.. الآن سوق العلاج النفسي قائم على مجموعة غير متخصصة في الطب النفسي، فمن يعانون مشاكل نفسية انعكست على حياتهم الاجتماعية؛ يتجهون لحل مشاكلهم إلى الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين الذين يتعاملون معهم على أنهم أفراد يعانون خللا في التخطيط الاجتماعي والحياتي وليس خللا نفسيا يحتاج إلى علاج إكلينيكي مترافقا مع علاج سلوكي. بعض العيادات قامت بالاستعانة بأخصائيين اجتماعيين ونفسيين لتأدية دور ليس من صميم تخصصهم وهذا أحد أنواع الدجل التجاري. يجب أن تحظى الصحة العقلية والنفسية بشكل عام بموقع أكثر أهمية من واقعها الحالي. يجب أن نرتقي بسوق العلاج النفسي ونتوسع في المراكز المتخصصة فيه وعدم إقصار هدفها على العوائد المالية فقط. إن انتشار الوعي وفهم أكثر المشاكل النفسية الشائعة بشكل جيد يساعدنا في معرفة بوادرها والخطط المتبعة للتعامل معها عبر المعنيين بها وليس الخضوع بها لتجارب تجارية عبر أجهزة معينة أو طرق غير فعالة تستنزف المرضى وتزيد معاناتهم، وفي هذه المناسبة تشكر الجمعية السعودية للطب النفسي لإنهاء الجدل القائم حول أحد الأجهزة الذي لم يثبت فعاليته علميا في معالجة مرض الاكتئاب ولفت النظر إلى أن تعليق الآمال فيه قد يفضي إلى مشكلة توقف مريض الاكتئاب عن العلاج الفعال مما يترتب عليه تفاقم وضعه النفسي. نحن بحاجة إلى تكثيف برامج التوعية فيما يتعلق بالطرق التي يمكن أن تستغل فيها الأمراض النفسية والمشاكل الاجتماعية الأسرية للتسويق إلى أجهزة أو مراكز أو دورات لها أهداف مادية بحتة دون فوائد ترجى.