ترحموا قبل أن تثرثروا
الرحمة لأرواح ضحايانا في التفجير الإرهابي الغادر في القديح، والحمدلله على سلامة الناجين، ونرجو للمصابين الشفاء العاجل. لا أظن أن أحدا منا يختلف على إدانة وتشنيع هذا العمل الإرهابي الذي استهدف أناسا آمنين في بيت الله وغدر بهم وهم ساجدون له. لا نستعظم هذا الفعل لأنه حدث في مسجد فقط رغم فظاعة الجرأة عليه في هذا المكان، نحن نستعظم هذا الخزي حتى لو حدث في أي مكان آخر. آلمنا بشدة الجرح الذي وسمته فينا هذه الحادثة لكن ما ذر الملح على جرحنا أن هناك من اصطاد في الماء العكر وأخذ يوظف هذه الحادثة المؤلمة وفق ما يتناسب مع هواه.. كثرت المزايدات قبل أن تبرد الدماء، منهم من اتهم وأدان وتحدث بالكثير قبل أن يترحم ويقدم العزاء. هناك من ألقى باللوم على بعض العناصر التي يظهر فيها سلوك العنصرية والتطرف الفكري وعدم تقبل «الآخر المختلف» إضافة إلى ضعف القيم التربوية التي لم تدعم الاندماج الوطني تحت مفهوم (الوحدة الوطنية). هناك أيضا من ألقى باللوم على بعض الرموز الدينية التي لم تنتبه في فترة ما الى تقليص الفجوة بين المذاهب المختلفة.. ومنهم من استغل الموقف ليتحدث عن أمور معينة لا علاقة لها بالحادثة ويقحمها في الموضوع قسرا.. ما أود لفت الانتباه له؛ أنه من المعيب على بعضنا أن يتحدث في الساعات الأولى التي تلت الحادث بتأويلات وثرثرة مزعجة من الاتهامات والمظلوميات قبل أن تتجلى له الحقائق من مصادرها الرسمية، علاوة على أن الساعات الأولى للحدث يجب أن يظهر فيها الترحم واحترام هذه المناسبة الحزينة لنا جميعا وعدم الخوض في صغائر القول بلا علم وهدى. يجب ألا تكثر الفتوى الفكرية والنظرية في هذا الموضوع فهو جلي حتى لمن حاول أن يغض الطرف عن نصف الحقائق ويلبس بعضها المتبقي بتأويل باطل، فالعنصرية وعدم الاندماج الثقافي بين بعض الطوائف وغيرها من العناصر السلبية للثقافة العامة التي تسيطر على العقل الجمعي رغم سلبيتها وسوئها إلا أنها ليست المسؤولة عن جرائم كبيرة كالإرهاب وإراقة دماء المسلمين، فمن يمارس عادة هذه المصائب هم التكفيريون الذين لا يفرقون بين مسلم وكافر، سني أو شيعي، فكل الأنظمة ومعظم الأفراد كفار في نظرهم. وأقول للساخرين من نظرية الاستهداف الخارجي، ان هذا الاحتمال سيظل وجيها دائما في عمليات كهذه، ففتنة الطائفية هي المنزلق التخريبي الذي أثبت جدواه في كل بقعة عربية تأسس فيها بل ان فتنا من هذا النوع وعلى هذا الوزن أثبتت فاعليتها التدميرية عبر تاريخ الإنسانية أجمع. كما أن النوايا السياسية دائما يتم تغليفها بالطابع الديني ليسهل معها قيادة العقول والقلوب.. كل ما علينا نحن العوام في المجتمع ألا ننساق خلف من يحاول جرنا إلى هدف بغيض أكثرنا يعرفه، نحن لا نحاول التقريب على المستوى العقدي أو المذهبي فمهما كان حجم الاختلاف كبيرا أو صغيرا مرده لمن ترفع له العبادات والطاعات وليس من شأن البشر أن يحاسبوا بعضهم على ذلك إنما توضع الحدود بينهم بشكل صارم فيما يخص تعديهم على بعضهم بأي أذى حتى لو كان لفظا. عدا ذلك نحن اخوة يجمعنا رابط وطني قوي وبقعة وطن نقدسها جميعا.* إعلامية وباحثة اجتماعية