مخترعونا وموهوبونا لماذا يذبلون؟!
ما الذي جعل دولا في آسيا مثل: اليابان، والنمور الآسيوية (هونج، سنغافورة، تايون، كوريا الجنوبية) تتفوق ولا يوجد لديها الكثير من الموارد الطبيعية؟ الجواب أكيد أن هناك عدة عوامل ولكن أعتقد أن العامل الأول بلا منازع هو الاستثمار في العقل البشري. ببساطة هو الاهتمام بالعلماء وخاصة المواهب الشابة لأنهم يوما ما سيصبحون علماء كبارا!يُذكر أن أبي معاوية الضرير (وهو من العلماء المحدثين) قال: أكلت مع الرشيد ثم صبَّ رجل لا أعرفه على يدي الماء، فقال الرشيد: أتدري من صب عليك؟ قلت: لا، قال: أنا!، فقلت له: إجلالاً للعلم يا أمير المؤمنين.العلماء لا يظهرون فجاءة هكذا!!، بل هناك مراحل يمرون بها، وقد كانوا يوما طلاب علم موهوبين مبتدئين. الاهتمام المعنوي بهم هو الدافع الأكبر ثم المادي يجعلهم يقدمون أفضل ما في عقولهم لأممهم.مؤخرا حقق طلاب وطالبات سعوديون إنجازا جديدا يحسب للمملكة، وذلك بحصول الطلبة على ثماني جوائز بمعرض إنتل للعلوم والهندسة (إنتل آيسيف 2015 م)، وبمشاركة 1700 طالب وطالبة من 75 دولة في مجالات البحث العلمي المختلقة.هذا الإنجاز ليس الأول من نوعه للسعودية، لقد سبق أن حققناه، وسنحققه كل سنة إن شاء الله، لأننا كنا وما زلنا نملك مواهب وعقولا متميزة. ولا فرق بين عقولنا وعقول النمور الآسيوية طالما هناك عزيمة وخطة تعمل على أرض الواقع!ولذلك اعتقد أن القطاع العام لا يستطيع لوحده أن يواصل المشي قُدما؛ لرفع هؤلاء الشباب المبدعين والمخترعين إلى مكانتهم الطبيعية أو توفير الأجواء المناسبة ماديا ومعنويا لهم. العمل في هذا المجال ليس ردة فعل لحظية هو يحتاج لخطط تستمر لسنوات كما فعلت الشعوب الأخرى لأنها لم تتطور بين ليلة وضحاها. ولذلك أود أن نركز على النقاط التالية: أولا: آن الأوان أن يدخل القطاع الخاص وبقوة في دعم المبدعين والمخترعين، وتحويل أفكارهم وبحثوهم إلى استثمارات تنفع القطاع الخاص والعام. إن لم نتدارك الوقت سيبدأ بعض من هؤلاء الموهوبين باليأس، وربما بالتفكير بحلول أخرى مثل سفر لدول لديها شركات تدعم الاختراعات والمواهب. والأشد ألما أن يتم من الخارج استقطاب مثل هذه العقول فكريا ومعنويا وماديا (وإن كانت ثقتي بهم كبيرة في أنهم يفضلون أن ينفعوا بلدهم أولا وأخيرا).ثانيا : لا بد أن يُحتفل بمثل هؤلاء كل سنة إعلاميا وبفعالية كما نفعل مع نجوم الرياضة والفن. نريد صورهم وصور اختراعاتهم في كل الوسائل المرئية والمسموعة كما نفعل مع باقي النجوم!!. كم من برنامج عندنا يتحدث عن الكرة والفن مقارنة ببرامج المخترعين والموهوبين!. لا بد عندما يمشون في الطرقات نعرفهم كما نعرف مشاهير الرياضة والفن!!. هكذا كانت بغداد وقرطبة في زمن الحضارة الكل يعرف العالم حين يمشي في الطرقات ويشار إليه بالبنان! ثالثا: لا بد من معاهد للبحوث مشتركة بين الجامعات والقطاع الخاص للاستثمار لأن القطاع الخاص يبحث عن الربح، وهذا أمر بدهي ومن حقه. وفي تلك المعاهد سوف تتحول فكرة المخترع إلى أمر مفيد ربحي وتجاري، وسينفع كل من الطرفين الجامعات كسمعة محلية ودولية، والقطاع الخاص كموارد مالية.رابعا: كل سنة ولله الحمد هناك نماذج من هؤلاء يشرفون دينهم ووطنهم، ويحاولون بكل جهدهم أن يقدموا ما ينفع مجتمعهم، ولكن مع مرور الوقت قد (لا سمح الله) يذبل الحماس بسبب غياب الدعم المعنوي والمادي. والنفوس البشرية يعتريها ذلك! فنخسر قلوب وعقول ابنائنا بينما الأمم الأخرى تتقدم بخطوات سريعة، وخطط ثابتة.قد يصبر المبدع والموهوب على الجوع والعطش، ولكنه لن يصبر حين يرى اختراعه يذبل ويموت بين يديه! م. الهندسة الميكانيكية