بشر لا أرقام يا موظف الصحة
كنت قبل أيام في أحد مستشفياتنا، فرأيت من الموظفين من يتعامل مع المراجعين كأرقام لا كبشر لديهم إحساس ويتألمون، حتى الابتسامة إن ظهرت فهي ابتسامة صفراء ما ان تشيح بوجهك حتى تختفي فقد كانت رقماً لرقم!ولا أبالغ إن قلت انه لا يمكن أن يغيب عن عيني مثل هذا المشهد في كل زيارة أزورها لمستشفياتنا!انشغال بالجوال، عبارات جافة، غضب سريع عند أدنى زلة من مريض قد لا يعي ما حوله!يرسل أهل المريض طلب التحويل فيأخذ أياماً وليالي طويلة، كل دقيقة منها تزيد الألم على المريض وأهله، بينما الموظف يمشي هويناً خصوصاً عندما يكون المريض بلا معرفة!عندما يريد مريض أن يدخل المستشفى يوقف فترة لاستكمال أوراق روتينية، تؤخذ فيها قصة حياته، وقد كان من الممكن لو تعاملنا مع المرضى كبشر لا كأرقام، أن يدخل خلال -هذه الدقائق- المريض للعناية وبعد ذلك تستكمل البيانات من أحد مرافقيه أو بالذهاب إليه من قبل أحد الموظفين القابعين على كراسيهم!قلت مثل هذا لأحد الموظفين يوماً، فقال: أنت لا تعرف! قد يكون بعض هؤلاء المرضى يعالجون بأجر!رددت وأنا مستغرب طريقة التفكير هذه: عالجه ثم اسجنه حتى يسدد!بل إن هذه العدوى انتقلت إلى الأطباء والممرضين، وأعتقد أن أبرز ما يميز الطبيب والممرض الناجح في هذا الوقت ليس تميزه في التخصص، بل في لمسته الإنسانية، والتي نراها في المستشفيات الخاصة –مع التجاوز في تسميتها إنسانية- أكثر من الحكومية وللأسف!وكم رأى المرضى المتوجعون علامات التأفف على الممرضين عندما يستدعونهم خصوصاً آخر الليل، فقد قطعوهم من الجوال وجلسة السمر التي كانوا يقضونها مع زملائهم!من حق مستشفيات الصحة أن تفخر بالأرقام، فترى أنها قد أنهت معاناة 97 بالمائة من مراجعيها، ولكن لتعلم أن الثلاثة بالمائة الباقية كانت عبارة عن بشر كانوا يتألمون! ولذلك فالخوف عندي -في مثل هذه الحالات- من البعد عن المائة أكثر من أرقام الإنجاز!ليتنا نخلع عباءة الوظيفة ونتعامل بتعاليم ديننا وقيمنا مع البشر كبشر! فالسؤال الذي يحكي الانفصام النكد: لماذا تختلف طريقة تعاملنا في مقر الوظيفة عن تعاملنا مع من يزورنا في بيوتنا؟!