نشوة التجاوز «4»
امامي رف من الدواوين والاصدارات التي اهداها لي كوكبة من الشباب في هذه الايام.. وحين بدأت في قراءتها عرفت مدى التقصير الذي كنت سادرا فيه في متابعة انتاج الشباب حيث تستطيع لمس الخصب اللغوي ونشوة التجاوز بيديك.امامي الآن ديوان الشاب ناجي جرابة "لم اغرد بعد" وقد ادهشني تعريفه للشعر بأنه "غرق الى الاعلى" لقد عرف الشعر كثيرا ولكن تعريف "الشعر غرق الى الاعلى" يقف متفردا لانه انتشل مفرداته من حقلها القاموسي الى حقول اخرى.. من سكرات الموت الى سكرات النشوة.. من التشبث بالطحلب الى العلو الدائم وعناق الحياة، وهو كغيره من الشباب منغمس في ما أسميه "قلق البصر" ومآسيه فهو يقول "كيف لزفرة بحجم فمي/ ان تهرب وجعا بحجم الارض" او يقول: "افكر في متعة تزيل الصدأ عن القلب/ فتصدأ المتعة ايضا" وقد يأخذه نزق الشباب واستعجاله الى ما يدفع الى الضحك حين يقول: "كنت اشهى طبق في حياتي/ فأمسيت حبة البندول الوحيدة/ في جيب قلبي".في ديوان "اوبة الهرطيق" للشاب حسين آل دهيم نرى "القلق الوجودي" في وضوحه الفادح: (الفكرة في اصلها لا تصنع عالمك/ عالمك يصنعه المعنى الذي ستعمل على ايجاده/ العالم لا يهبك الا ما يهبه لغيرك" اذن "اصنع حقيقتك/ دع عقلك يفترش بساط الخيال/ ويغرر بعينيك الا ترمشَ وقم بصب المعنى الذي/ يليق بحقيقتك في قلب الكون".وحين نصل في الديوان الى "صورة الاصدقاء" نرى الانصهار العاطفي الصادق مع خمسة وعشرين من اصدقائه.. ونرى كذلك الاستبطان بمعناه النفسي العميق في قراءة شعر نفسية لهؤلاء الاصدقاء، ولأني اعرف سبعة منهم اجد ان هذا التعبير الشعرنفسي قد كان نابعا ليس من العاطفة وحسب بل من الغوص في نفسية كل منهم مما يدل على عمق الاختيار.. فهو يقول – مثلا – في حبيب محمود "لم يعرفوك بعد، تماما كصفحة من كتاب التمرد تبدو لهم" ومن يعرف حبيب محمود الذي يقول:يا إلهي أنا ابن أرضك لكنيسئمت ..... والإلحادايعرف العمق النفسي الذي وصل اليه آل دهيم.حين تقرأ:"قلبه زقاق خلفي بلا قناديل ولا شرفات/ يتجول به كثيرا الى ان ينسحق ظله من المشي".ترى ماذا تقول في هذه الصورة المرعبة؟ ماذا تقول في هذا القلب اليباب؟ أليس تعبيرا عن ظلام العصر؟ ٭ كاتب