DAMMAM
الخميس
34°C
weather-icon
الجمعة
icon-weather
34°C
السبت
icon-weather
37°C
الأحد
icon-weather
33°C
الاثنين
icon-weather
34°C
الثلاثاء
icon-weather
36°C

بنت الشغّالة

بنت الشغّالة

بنت الشغّالة
من بثينة ل. د: "أنا فتاة سعودية من أبٍ سعودي، تزوج أبي امرأة مسلمة من الشرق الأقصى. ولقد شاء الله أن آخذ كل مواصفات والدتي. فمظهري يوحي بشكل أكيد وكأني أنتمي لدول الشرق الأقصى. عشت خائفة كل حياتي، فمنذ الروضة تأتي أمي فتقول لي المدرّسة: "فيه شغالة تبي تاخذك"، وهذه التي سميت شغالة هي أمي. ثم شاع اسمي بِـ"بنت الشغالة" طوال مراحلي الدراسية. وعشتُ منطويةً منكسرة، ولمّا أناقش في مسألةٍ وطنيةٍ كل مرّة تقوم من تخرسني متحمّسة وتقول لي: "اخرسي أنتِ لست سعودية!" .. وأخرس. تعلمت أن أمشي ورأسي بأقدامي حتى لا يعترضني أو ينظر الي أحد. قلّت هذه النعوت نوعا ما في الجامعة. السنة هذه هي التي أدرس بها كمحاضرة بالجامعة "معيدة" لتفوقي، وصدف أن مررتُ بابنتين إحداهما طالبة عندي، وإذا الأخرى تقول: "هذي الشغالة هي مدرستكم. أريد توجيهك." الرسالة طويلة ومليئة بالحزن. لذا أقول لبثينة: لا تلومي أحدا. أبدا بل لومي نفسك! أنت يا بثينة لن تستطيعي إخراس كل الناس، ولا أنت ولا أنا نستطيع أن نؤدّب كل الناس، بعضهم يقول ذلك لا يقصد فيها تعييباً، فهذا ما سمعوه من وسط اجتماعي وأسَري، وكل وعيهم أن هذا الجنس شغالة، وذاك الجنس كذا. هنا من يغير؟ أنتِ! الفتاة الأمريكية السوداء "روزا باركس"، أثناء ذروة الاحتقار الأمريكي الأبيض في الولايات الجنوبية للسود لمّا مُنعت من ركوب قسم الحافلة المخصص للبيض أصرت أن تعتز بكرامتها، وهي الشعلة المباشرة التي أشعلت حبل ديناميت ثورة حقوق السود في كل أمريكا، لأنها اعتزت بإنسانيتها، بكينونتها، باحترامها لنفسها. الآن هي من الأكثر تأثيرا في العالم، وها هو الأسود أوباما يتقلد اقوى منصب على الأرض، و"أوبرا" السوداء التي قصة حياتها تفتت الكبد حزنا هي أشهر وأقوى امرأة على الأرض. لم يضر السيدة البولندية ماري كوري أن تبرز كأكبر عالمة في فرنسا، بل هي الوحيدة التي نالت جائزة نوبل مرتين بعلمين مختلفين، حيث يُحتقَر البولنديون وتحاك عليهم أقذع صفات الغباء والانحطاط، لكنها لم تكترث إلا لكونها متميزة قوية عبقرية، ولأنها فعلت جرت الظروفُ معها. وعندنا علماء وشعراء ومفكرون من أصول آسيوية أعطوا طابعاً علميا وعمليا وحركة فكرية بالمملكة. جاء الحضارمة الذين بقوا عقودا طويلة بأندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وقد هُجنت دماؤهم بالدماء الشرقية، وأقاموا علما وتأثيرا كبيرا في حضرموت بل في الجزيرة، ووصل أثرهم الفكري والتجاري لمصر ونواحي الشام، لأنهم أتوا يعتزون بدمهم العربي الحضرمي، ولا يهم كيف كانت أنوفهم أو عيونهم، ويملكون احتراما وافرا لذواتهم، فاحترمهم الناس، بل كافة أمة العرب. أنتِ عودتِ الناس على تقليلك، أقول لك ذلك بصراحة ومحبة يعلم الله، لأنك قللتِ من نفسك، وقللتِ من قدر أمّك، وقللت من قدر الأمة التي جاءت منها أمك. لو كنتُ مكانك وبذكائك وتفوقك، لقلت نعم أنا بنت الشغالة التي ربتني لأكون قويمة وذكية. أنا بنت الشغالة التي أخذتْ الدرجات الأولى والآن أدرّسكم.. أنا بنت الشغالة التي أراها أعظم امرأة في الدنيا لأنها أمي. ثم فلتكن أمي شغالة، فهل في الشغل عيب؟ هل يُعاب على شخص أن يترك مهجته وشظايا قلبة ليرحل ليخدم الآخرين.. أم من كسلوا أن يخدموا أنفسهم؟! إني يا بنت الشغالة، أفتخر بك، وأضع قدْر أمك على رأسي!
المزيد من المقالات