DAMMAM
الخميس
34°C
weather-icon
الجمعة
icon-weather
34°C
السبت
icon-weather
37°C
الأحد
icon-weather
33°C
الاثنين
icon-weather
34°C
الثلاثاء
icon-weather
36°C

أحبك موت..!

أحبك موت..!

أحبك موت..!
أحبك موت..!
بدءاً من الطرفة التي تحكي أن مدرس اللغة العربية قال لتلاميذ الفصل: كل الكلمات العربية لها تفسير، فرد عليه أحدهم: لا، يا أستاذ «أحبك موت.. كلمة ما لها تفسير»؛ نعبر إلى خلفية نص الأغنية، التي استخدمها التلميذ لصناعة النكتة (مع الاعتذار لكاتب الأغنية والمغني)!

لماذا يعبر الناس عن مدى حبهم البالغ من خلال الوصول إلى درجة الموت؟ هل هو معتاد أن العربي إذا أحب، يبلغ به الشوق والهيام –خاصة مع عدم تجاوب الطرف الآخر– إلى درجة الموت؟ أم أن العربي تعود على الكذب في كل شيء، حتى في التعبير عن المشاعر؟ يذكرني هذا بما سبق أن أرسله إلي أحد المعارف يقول فيه: يا أخي ما حكايتنا في استخدام عبارة الموت (ويبدو أن استخدامنا اللغوي قد سهّل للإرهابيين تجنيد الانتحاريين)؟ إذا عبرنا عن شدة الضحك، قلنا: مت من الضحك! وعن شدة الجوع: مت من الجوع! وعن شدة البرد: مت من البرد! وعن شدة الحر: مت من الحر! وعن الحب: أموت فيك! هل نحن شعب متوفى؟ قلت له: هوّن عليك! العربي الأصيل يأخذ ثقافته من الشعر القديم، الذي يتميز بصفتين رئيستين؛ الأولى أن أعذبه هو أكذبه. فالشاعر يصف أحداثاً لم تقع، وحباً لم يشعر به، ويبالغ في أوصافه وتحليلاته، ويقذع في الشتائم واختلاق المثالب، إن كان هجاءً، ويرسم الصور الحالمة، التي لا تتحقق إلا في خياله. إذاً هو يستشعر صوراً؛ لذلك ربما صدق عليه مصطلح «المستشعر» لا «الشاعر»! والصفة الثانية أن من يقوله هو القرين (شيطان الشعر من الجن)، وأنه يطرحه على لسان الشاعر. فبالتالي: من سيموت في هذه التجربة الشعرية هو الشيطان، وليس الشاعر الإنسي.

يبدو أن استخدامنا اللغوي قد سهّل للإرهابيين تجنيد الانتحاريين؟ إذا عبرنا عن شدة الضحك، قلنا: مت من الضحك! وعن شدة الجوع: مت من الجوع! وعن شدة البرد: مت من البرد! وعن شدة الحر: مت من الحر! وعن الحب: أموت فيك! هل نحن شعب متوفى؟ وربما كان ذلك مفيداً لهذا الشاعر، الذي أصبح معروفاً ومتمرساً؛ فيختار قريناً آخر أكثر نجاحاً من سوق الشياطين، الذين سيوافق أحدهم من البارزين على الاقتران بهذا الشاعر، الذي أصبح مشهوراً. فما يحصل في تلك التجربة هو ترقية للشاعر وقرينه من فئة إلى أخرى أعلى منها. فقال صاحبي: في الأولى أوافقك، مع أنك لم تأت فيها بجديد. أما في الثانية فقد نبهتني إلى أننا –معشر العرب– منذ الأزل نعتمد على الأجانب، حتى في قول الشعر. قاتلنا الله! ربما كان الفرق بين استخدامنا للأجنبي في هذا العصر، أنه لأعمال مدنية محددة، والعامل موجود أمامنا على أرض الواقع؛ أما لدى قدمائنا، فكانوا يستخدمون تلك الشياطين غير المرئية في أعمال فكرية (دون أن توجد منظمات لحماية الحقوق الفكرية)، وليسوا على كفالة الإنسي. ربما وفروا في تلك الحالات القديمة بعض الخدمات، لأنهم لا يقدمون لتلك الشياطين سكناً، أو مواصلات، فهم لا يأتون إلا في وقت الحاجة، وبوسائلهم الخارقة، أو يتواصلون مع الشاعر الإنسي عن بعد. وهذا يعني أنهم ربما كانوا متقدمين عن مستوى منتجات الآي من مبتكرات ستيف جوبز! رددت عليه: يا صاحبي! حتى في جانب الحب (الجزء الأول من مطلع هذه الأغنية) لا يوجد لديهم حب حقيقي يقوم على المبادئ؛ بل هو تصنع للحب يقوم على المصالح. هل سمعت عباراتهم التي يبررون بها نشأة الحب، أو تطلعهم لحب الآخر؟ فهو الجمال أو بعض المظاهر الخارجية، التي يراها كل عابر، مثل: كم أنت جميلة! وإن كان المحبوب رجلاً، فهي مجموعة صفات مبجلة اجتماعياً، أو سمات شكلية ومادية. هل هذا هو العشق أو الهيام، الذي يؤدي إلى الموت، كما تحكي بعض أشعارهم وقصصهم الأسطورية؟ فانحنى صاحبي، وأردف قائلاً: آه الآن فهمتك! فإذن عندما يقوم رئيس النظام السوري بقتل منظم للشعب السوري، فهو يقوم بذلك، لأنهم يحبونه موت (ومن الحب ما قتل!). فهو يظنهم جميعاً شعراء؛ وكل من يعبر منهم عن حبه للرئيس، فهي إنشاءات من الشياطين، التي تضع تلك الكلمات الموهمة بالحب على ألسنة مواطنين في ذلك البلد المنكوب. وهو –بحسن نية– يريد قتل تلك الشياطين المؤذية، التي تعبر –بهتاناً– عن حبها له. فقلت له: لكن ذلك العصر قد انتهى، والخوف السلطوي لم يعد يصنع مشروعية! وبما أنك تقول فهمتني (أو فهمتنا)، فاخرج الآن راضياً أو غير راضٍ، محباً أو كارهاً، لكن دون موت!

المزيد من المقالات