يقول أدونيس: ((أن تري في الكون ما تحجبه عنا الألفة والعادة.. أن تكشف وجه العالم المخبوء.. ان تكشف علائق خفية)) هذه هي الرؤيا. السؤال الذي يرفع يده الآن هو: هل يمكن أن تكون هناك رؤيا دون أن تسبقها رؤية؟ ترى ماذا نسمي (رسالة الغفران) للمعري او الكوميديا.. لدانتي؟ هل انطلقتا هكذا بدون رؤية الواقع الموضوعي والخيالي والمعرفي والفكري ثم الموقف منها؟! كلا.. لقد اتطلقتا من رؤية الواقع بكل ما يحمله التاريخ على كتفيه من حقائق وأوهام وتصورات.
ما نراه في الربيع العربي الآن ليس سباقًا بين الرؤية والرؤيا، بل صراعا بين الرؤيا وبين الذاكرة.. بين الماضي والتوق إلى مستقبل مزدهر.. ولاشك في أن التاريخ لا يعود إلى الوراء.
حين قال أمل دنقل: (( لا تصالح ولو منحوك الذهب أترى حين أفقا عينيك ثم أثبت جوهرتين مكانهما هل ترى؟ هي أشياء لا تشترى)) حين قال هذا كانت الرؤيا والرؤية معا موقدا لجمر تجربته الشعرية المتشائمة. وحين قال عبدالعزيز المقالح: (( مهرتي تركض الآن عارية أسمع الآن رجع حوافرها فوق صخر الزمان أرى صورتي في الصدى وأراني فتى تتألق أحلامه يتسلق خارطة الثورة البكر ينتزع الشمس من أفقها ويقدمها للحبيبة مهرا أراني أنازل بالكلمات وبالسيف غول الخرافة)) حين قال هذا كانت الرؤيا تتقدم الرؤية في اشعال تجربته الشعرية المتفائلة. كل فرد يمتلك رؤية مهما اختلفت تسطحا وعمقا.. ولكن ليس كل فرد يمتلك القدرة على الانفلات من فخاخها ولذلك يكثر المقلدون والذين (عقولهم في آذانهم) كما يقول شوقي. والذين يمرون على الحديقة دون ان يروا ازهارها.. وقليل من الأفراد الذين نسميهم المبدعين فهم وحدهم الذين تتخطفهم الرؤيا. ما نراه في الربيع العربي الآن ليس سباقًا بين الرؤية والرؤيا، بل صراعا بين الرؤيا وبين الذاكرة.. بين الماضي والتوق الى مستقبل مزدهر.. ولاشك في أن التاريخ لا يعود إلى الوراء.


