وفي بطن هذه الجغرافيا الولودة، يتجلى الهدف السامي لترسيخ جذورنا من خلال تجسيد أركان الشخصية العربية المكتملة عبر رمزية "الفناجين الخمسة"، والتي تدعونا إلى التأمل في أهمية الاعتزاز بهويتنا الثقافية، وفناجين عزنا تُصب هنا في طين أرضنا.
إن إعداد عقول أجيالنا يبدأ من فنجان الهيف الذي يرسخ نقاء الهوية والبيئة المعطاءة، مرورًا بفنجان الكيف الذي يمنح النفس الانسجام والتناغم مع تفاصيل أرضنا، ثم فنجان الفارس الذي يبني الشجاعة والأنفة لحماية مكتسباتنا الوطنية. ولا يكتمل البنيان إلا بفنجان الشاعر الذي يطلق طاقة الإبداع والبيان، ليُتوّج كل ذلك بفنجان شيخ يمثل الحكمة والرصانة والعقلية الواثقة.
هذه الفناجين الخمسة هي ذاتها الثقافة التي جعلت الخليفة المأمون يحتوي أبناء الفلكي موسى بن شاكر، المعروفين ببني شاكر، الذين برعوا في الفلك والطب والهندسة الميكانيكية. ففي أروقة بيت الحكمة ببغداد صمموا مجسمًا آليًا يعزف على الناي تلقائيًا باستخدام ضغط الماء والهواء، مع منظومة ميكانيكية متقنة لتكرار الألحان، ويُعد هذا الإنجاز من أوائل الإسهامات التي مهدت لتطور مفاهيم البرمجة والأتمتة. كما قادوا بعثة علمية لقياس محيط الأرض بدقة لافتة، في شاهدٍ على عمق الإرث العلمي الذي تزخر به حضارتنا.
وأرى من شرفتي المطلة على قمم جبال أجا أن صناعة المجد لا تحتاج إلى التفريط في هويتنا، بل إلى الحفاظ على أصالة فناجيننا الخمسة؛ بتوفير "قلب أبٍ" يحمي طاقات أبنائه، و"عقل حكيم" يبني لهم موقدًا محليًا يكومون فيه حطب علومهم. إن واجبنا هو الاعتزاز بإرثنا الحضاري، والانفتاح الواعي على التجارب الإنسانية، والإيمان بأن نار وعينا يجب أن تشتعل هنا، داخل حدود عالمنا العربي، فنكفي أنفسنا، ونضيء للعالم من جديد كما فعل الأجداد.



