في سيرة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وبعد بيعة العقبة الثانية، بدأ مشركو قريش يبحثون ويتحققون من خبر البيعة؛ لأنهم شعروا بخطورتها. وبعد البحث والسؤال تأكد لديهم الخبر بعد أن نفر الحجيج إلى أوطانهم، وعرفوا أن الأنصار بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونصرته إذا قدم إليهم، ومنعه مما يمنعون منه أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم.
فجن جنونهم، وبدأوا يطاردون أهل يثرب، ولكن بعد فوات الأوان. وقد تمكنوا من رؤية سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو فطاردوهما؛ فأما المنذر فقد أعجز القوم، وأما سعد فألقوا القبض عليه، وربطوا يديه إلى عنقه بنِسْع رحله، وجعلوا يضربونه ويجرونه من شعره حتى أدخلوه مكة. فجاء المطعم بن عدي والحارث بن حرب بن أمية فأنقذاه وخلصاه من أيديهم؛ إذ كان سعد يجير لهما قوافلهما المارة بالمدينة. وتشاورت الأنصار حين فقدوه أن يكرّوا إليه، فإذا هو قد طلع عليهم، فوصل القوم جميعاً إلى المدينة.
ما قدمه سعد بن عبادة رضي الله عنه سابقاً أنجاه لاحقاً. فالناس قد تنسى الكلمات، لكنها لا تنسى المعروف، وقد يغيب الجميل سنوات ثم يعود إليك في أشد ساعات حاجتك. ولذلك لا بد أن نسعى إلى العطاء أولاً ابتغاء مرضاة الله الكريم؛ فمن حفظ الله حفظه، والمعروف الذي يُقدَّم لا يُرمى في البحر، بل يبقى عند ملك الملوك جل جلاله.
فالمعروف لا يضيع، وقد يعود إليك في صورة ابن بار، أو طالب وفيّ، أو مؤسسة تفتح لك باباً، أو صديق يقف معك ساعة الشدة.
قد لا تحتاج إلى الناس اليوم، ولكنك ستحتاج إلى سمعتك بينهم غداً. فازرع المعروف، وابنِ العلاقات، وأخلص لله في عطائك؛ فما كان لله بقي، وما زُرع بالإحسان عاد إليك أضعافاً حين تكون أحوج ما تكون إليه.
ولذلك توكل على ربك، وابنِ علاقاتك، خصوصاً في محيط تخصصك، من خلال التواصل مع المتميزين والجهات العاملة في المجال، واحرص على تسويق ذاتك، وأبشر بالخير بحول الله

