لو عاد أحد أجدادنا إلى الحياة، وشاهد حياتنا اليوم، لظن أننا نعيش في نعيم لم يحلم به أحد.
الطعام يصل إلى باب المنزل، والسيارة تخبرنا بالطريق، والمكيف يعمل بضغطة زر، والهاتف يذكرنا بكل شيء. ومع ذلك، أصبحنا نردد عبارة واحدة: أنا مرهق.
والسؤال الحقيقي ليس: كيف نرتاح؟ بل: لماذا أصبحنا أكثر تعبًا، رغم أن الحياة لم تكن يومًا بهذه السهولة؟
فأجدادنا كانوا يعملون منذ شروق الشمس حتى غروبها، ثم ينامون مطمئنين. أما اليوم، فقد يجلس بعضنا طوال النهار على كرسي مريح، وتحت مكيف بارد، ثم يعلن أنه يحتاج إلى إجازة من شدة التعب.
وحين تبحث عن سبب هذا الإرهاق، تجد أن كثيرًا منا يحمل همومًا ليست له.
يتابع أخبار العالم منذ الفجر، ويقارن حياته بحياة أشخاص لا يعرفونه، ويستهلك وقته بين ترند وآخر، حتى تحول عقله إلى غرفة طوارئ لا تغلق أبوابها. يعرف ماذا تناول المشاهير على العشاء، لكنه لا يعرف ماذا يدور في قلب أقرب الناس إليه.
فتح الهاتف ليهرب من التوتر، فخرج منه وهو يحمل توتر العالم كله.
المشكلة لا تقف عند الهاتف، بل تمتد إلى التربية. فقد تحولت بعض البيوت من مدارس تبني الشخصية إلى فنادق تقدم الراحة على مدار الساعة. إذا أخطأ الابن وجد من يبرر له، وإذا تعثر وجد من يزيل العقبة من طريقه، وإذا فشل وجد من يحمل المسؤولية عنه.
ثم نتساءل: لماذا ينهار أمام أول كلمة نقد أو أول موقف صعب؟
أصبحنا نرى جيلاً يجيد استخدام أعقد التقنيات، لكنه يعجز، أحيانًا، عن التعامل مع أبسط الخيبات. يحفظ كلمات المرور لكل الأجهزة، لكنه لا يعرف كلمة الصبر.
والحقيقة أن الشخصية القوية لا تصنعها الراحة المستمرة، بل تصنعها التجربة، وتحمل المسؤولية، والصبر على التعثر. فلا توجد عضلات تقوى بلا مقاومة، ولا نفوس تشتد بلا تحديات.
ختامًا..
ربما ليست مشكلتنا أن الحياة أصبحت أصعب، بل أننا أصبحنا نريد حياة بلا تعب، ولا انتظار، ولا خسارة.
[email protected]



