في عالم اليوم، لم تعد المعلومة تنتشر بالضرورة لأنها صحيحة، بل لأنها جذابة وسهلة التناقل، وتبدو مقنعة في ظاهرها. ومع تكرار مشاركتها، تتحول في أذهان كثيرين إلى حقيقة شبه ثابتة، خاصة عندما تُقدَّم بثقة أو بلغة واثقة الإيقاع، حتى وإن افتقدت إلى الأساس العلمي.
المشكلة الأعمق ليست في وجود هذه المحتويات، بل في سرعة تصديقها وتداولها دون تحقق. فالكثيرون لا يميزون بين الخبرة العلمية الحقيقية وبين المحتوى العام الذي يُقدَّم بأسلوب مؤثر لكنه غير متخصص. ومع الوقت، تصبح المعلومة المتداولة أقوى من المعلومة الصحيحة، فقط لأنها وصلت أولًا وانتشرت أكثر.
تبدأ الرسالة في الغالب بشكل بسيط: منشور، مقطع قصير، أو تجربة شخصية تُعرض على أنها نموذج قابل للتعميم. ثم تتحول تدريجيًا إلى موجة، تتوسع مع كل إعادة نشر، حتى يصبح من الصعب إيقاف أثرها أو تصحيح مسارها بعد انتشارها.
والأكثر خطورة هو أن بعض هذه الرسائل قد تدفع البعض إلى قرارات صحية غير آمنة، كإيقاف أدوية أو الاعتماد على بدائل غير موثوقة، بناءً على تجارب فردية أو توصيات غير متخصصة. وهنا لا يكون التأثير مجرد فكرة، بل قد يمتد إلى سلوك ينعكس على صحة الإنسان بشكل مباشر.
هذه الظاهرة تكشف جانبًا مهمًا من سلوكنا الرقمي: الميل إلى الحلول السريعة، والانجذاب إلى الوعود البسيطة، والرغبة في تصديق ما يبدو مريحًا أكثر من البحث في دقته. كما تكشف كيف يمكن لتجربة فردية أن تتحول إلى “حقيقة اجتماعية” إذا لاقت قبولًا وانتشارًا كافيًا.
في المقابل، يحتاج المجتمع اليوم إلى وعي أكبر بطريقة استقبال المعلومات الصحية، وإلى التريث قبل إعادة نشرها أو تبنيها. فالمعلومة الصحية ليست رأيًا عابرًا، بل مسؤولية قد يترتب عليها أثر مباشر في حياة الآخرين.
وفي زمن تتسابق فيه الرسائل على جذب الانتباه، تصبح المسؤولية الفردية في التحقق والنقل أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالمعركة مع المعلومات المضللة لا تُحسم فقط بالمحتوى الصحيح، بل تبدأ من وعي المتلقي وقدرته على التمييز بين التجربة الشخصية والمعرفة العلمية.
في النهاية، تبقى خطورة «كرة الثلج» أنها تبدأ صغيرة جدًا، لكنها تكبر كلما مرّت من يد إلى يد، حتى تصبح حقيقة في نظر الكثيرين، رغم أنها قد لا تستند إلى أساس علمي ثابت منذ البداية.
[email protected]



