في ذات الوقت، لا يمكن إنكار أن التنازل المستمر مرض من نوع آخر! فمع الوقت قد يكتشف الإنسان أنه لم يعد يشبه نفسه، وأنه استنزف نفسه بالكلية، فلم يستنزف مشاعره، أو جهده، أو وقته، بل استنزف نفسه بالكامل! وما الهدف؟ إرضاءً للآخرين! وحين يصل إلى أقصاه، يخرج غضبه دفعة واحدة، فتتحول المجاملة إلى مرارة، والتنازل إلى قسوة، ويخسر أحيانًا حتى أولئك الذين كان يحاول إسعادهم!
المشكلة أن كثيرًا من النقاشات تُقدَّم وكأن الإنسان أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما أن يتمسك بكل حق وكل موقف وكل رأي، أو أن يتخلى عن نفسه بالكامل من أجل الآخرين؛ وبين هذين الخيارين يضيع التوازن! ففي العلاقات الإنسانية، لا تُقاس الأمور دائمًا بميزان الحقوق المجردة؛ فالزوجان لا يستمران لأن كل طرف حصل على كامل ما يستحقه، والأصدقاء لا يحافظون على صداقتهم لأن الحسابات بينهم متساوية في كل موقف، والأسر لا تبقى متماسكة لأن أفرادها يتعاملون بمنطق العقود والالتزامات فقط! هناك مساحة من التغاضي، والتقدير، والمرونة، وإعطاء الأعذار، وهي أمور لا يمكن أن تستمر العلاقات دونها.
ومن المفارقات أن بعض من يرفعون شعار الاستحقاق في كل موقف ينتهون إلى عزلة لم يكونوا يقصدونها؛ فهم لم يخسروا الناس لأنهم طالبوا بحقوقهم، بل لأنهم جعلوا كل موقف معركة، وكل خطأ قضية، وكل اختلاف تهديدًا لكرامتهم! ومع الوقت يتعب الناس من السير فوق أرض مليئة بالألغام، فيبتعدون.
وفي الجهة الأخرى، هناك من اعتاد التنازل حتى فقد القدرة على الرفض؛ يعطي أكثر مما يحتمل، ويتحمل أكثر مما يجب، ثم ينتظر من الآخرين أن يدركوا حجم ما قدمه دون أن يتكلم! وحين لا يحدث ذلك، يشعر بالخذلان والظلم! والحقيقة أن بعض الحقوق لا تُحفظ بالصمت، كما أن بعض العلاقات لا تُبنى على التضحية الدائمة من طرف واحد.
الوعي الحقيقي لا يكمن في معرفة ما تستحقه فقط، بل في معرفة متى تتمسك به، ومتى تتجاوزه.
[email protected]



