لا نختلف على أن الهدوء يُساء فهمه؛ لأننا نعيش في زمن الأصوات المرتفعة التي تدل على الحضور والثقة؛ فالشخص الهادئ غالباً لا يشرح نفسه، ولا يدخل في كل نقاش، ولا يرى الحاجة إلى إثبات رأيه، ولذلك يُصنَّف بأنه متردد، أو ضعيف، أو لا يملك ما يقوله!
بعض الناس لا يصمت لأنه لا يعرف، بل لأنه يعلم جيداً أن ليس كل فكرة تستحق النقاش، وليس كل معركة تستحق الدخول فيها، وليس كل سوء فهم يحتاج إلى تفسير طويل؛ ولكن المجتمع أصبح أكثر ميلاً لربط الحضور بالكلام، وربط القوة بالحدة، وربط الكفاءة بسرعة الرد، حتى تحوّل الهدوء لدى البعض إلى اتهام غير معلن يحتاج صاحبه إلى الدفاع عن نفسه باستمرار.
قد تصادف شخصاً يتحدث بطلاقة دون أن يضيف شيئاً حقيقياً، بينما يقدّم غيره قولاً مختصراً في جملة واحدة تغيّر اتجاه الحديث بالكامل، ومع ذلك يبقى الانطباع الأول غالباً لصالح الأكثر كلاماً لا الأكثر وعياً.
نجد كثيراً من الأشخاص الهادئين يُستنزفون بمحاولات شرح نواياهم، لأن الناس اعتادت أن تُفسّر الصمت على أنه برود، أو غرور، أو عدم اهتمام، بينما قد يكون الصمت أحياناً احتراماً، أو اتزاناً، أو رغبةً في عدم إيذاء الآخر بكلمات قاسية؛ فالمشكلة ليست في الهدوء نفسه، بل في الطريقة التي أصبحنا نقرأ بها الناس؛ فنحن نعيش في بيئة تُكافئ الاستعراض أكثر مما تُكافئ العمق، وتجعل التعبير المستمر ضرورة اجتماعية، حتى لو كان بلا معنى حقيقي.
ولهذا أصبح كثير من الهادئين يتعلمون التمثيل الاجتماعي أو النفاق الاجتماعي فقط حتى لا يُساء فهمهم؛ فيتحدثون أكثر مما يريدون، ويشرحون أكثر مما يحتاجون، ويشاركون آراءهم لا اقتناعاً، بل خوفاً من أن يُنظر إليهم باعتبارهم أقل حضوراً.
مع أن بعض الأشخاص الأكثر نضجاً ووعياً في الحياة ليسوا الأكثر حديثاً، بل الأكثر قدرة على ضبط ردودهم، واختيار كلماتهم، ومعرفة متى يتحدثون، ومتى لا يكون للكلام أي قيمة إضافية؛ فالهدوء ليس دائماً نقصاً في الشخصية، بل أحياناً يكون فائضاً في الإدراك.
ولكن، من الأكثر خسارة: المتحدث أم الهادئ؟
[email protected]



