في إحدى الحارات، غاب «أبو سلطان» لسنوات طويلة، سافر للعمل خارج الوطن، ثم عاد بعد غياب امتد لسنوات. لم يكن التغيير في مظهره كبيرًا، لكنه بدا مختلفًا في سلوكه؛ أقل كلامًا، وأكثر إنصاتًا، يراقب حديث الآخرين باهتمام هادئ يلفت الانتباه.
هذا التحول لم يمر مرورًا عابرًا على أهل الحارة. فالصمت الواعي أحيانًا يثير الأسئلة أكثر من الكلام، ويجعل من صاحبه مساحة للتأمل والتأويل. بعض من عرفوا أبا سلطان قبل سفره علّقوا بدهشة: «لا بد أن هناك شيئًا تغيّر في داخله».
ومع الوقت، بدأت الصورة تتضح لمن اقتربوا منه. فقد أمضى سنوات عمله في بيئة صعبة، لكنها كانت في الوقت نفسه فرصة للتعلم الذاتي. لم يكتفِ بمتطلبات العمل اليومية، بل استثمر وقته في القراءة والمطالعة، وحضور البرامج التثقيفية المتاحة للعمال، فتنوعت معارفه بين اللغة والتاريخ والفكر والعلوم والقصص والروايات، وحتى بعض الكتب الدينية.
لم يعد أبو سلطان ذلك الشاب الذي يحلم كثيرًا دون خطة، بل أصبح أكثر ميلًا للتفكير الهادئ، والتخطيط للمستقبل، وجمع الخبرة إلى جانب العمل. لقد أدرك أن المعرفة ليست ترفًا، بل وسيلة لبناء الذات وإعادة تشكيلها.
وحين عاد إلى حارته، لم يعد مجرد عائد من السفر، بل عاد محمّلًا بتجربة مختلفة، جعلت منه شخصًا أكثر نضجًا واتزانًا. تجربة أكدت لكثيرين أن «التعلم» ليس شهادة تُعلق، بل سلوك يُرى في طريقة التفكير، وطريقة التعامل مع الحياة.
لقد كان أبو سلطان درسًا حيًا لمن حوله؛ أن الإنسان يستطيع أن يجدد نفسه بعيدًا عن الضجيج، وأن يصنع من تجربته البسيطة طريقًا نحو وعي أوسع، وقيمة أعمق، وحياة أكثر اتزانًا.
[email protected]



