بعض الأشخاص لا يدخل الحوار ليستمع، وإنما ينتظر اللحظة التي يتحدث فيها. ولهذا، نلاحظ كثرة المقاطعة، والانتقال السريع بين النقاط، ومحاولة اصطياد التناقضات الصغيرة بدلًا من فهم الفكرة الأساسية، ويصبح التركيز على إسقاط الرأي أكثر من التركيز على مناقشته بتجرد وإنصاف.
تتجلى بعض الصفات في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تضاعفت هذه المشكلة بشكل أكبر، وأوضح! فالمنصات السريعة شجعت على الردود المختصرة، والعبارات الحادة، والمقاطع المجتزأة التي تمنح صاحبها تفاعلًا أكبر حتى لو لم تكن صحيحة ودقيقة؛ فكثير من الناس أصبحوا يناقشون بعقلية الجمهور لا بعقلية الباحث عن الفهم؛ فيبحث الشخص عن الجملة التي تنتصر له أمام المتابعين، لا عن الفكرة التي قد تغيّر قناعته أو تدفعه لمراجعة نفسه! ولهذا أصبح التراجع عن الرأي عند البعض يُعامل وكأنه هزيمة شخصية، رغم أن مراجعة القناعات أحيانًا علامة للنضج لا للضعف.
وفي بيئات العمل أيضًا، تظهر هذه المشكلة بصورة مختلفة؛ فبعض الاجتماعات تتحول إلى منافسات خفية لإثبات من كان على حق، بدلًا من أن تكون محاولة مشتركة لفهم المشكلة ومعالجتها! وعندما يصبح الهدف هو حماية الصورة الشخصية، تبدأ المجاملات أحيانًا، أو الدفاع المستمر عن القرارات حتى بعد اتضاح ضعفها، لأن الاعتراف بالخطأ يبدو مكلفًا أمام الآخرين.
الحوار الحقيقي لا يقوم على الرغبة في الانتصار، بل على القدرة على الاستماع، والتفكير، واحتمالية أن الطرف الآخر قد يملك جزءًا من الحقيقة؛ أما عندما يتحول كل نقاش إلى معركة، فإن الناس لا تخسر فقط جودة الحوار، بل تخسر أيضًا فرصة الوصول إلى فهم أعمق لأنفسهم وللآخرين! وربما لهذا أصبحت بعض النقاشات تنتهي بضجيج أكبر، لكنها تخرج بفهم أقل، لأن الجميع كان مشغولًا بإثبات موقفه أكثر من انشغاله بفهم ما يقال أمامه بالفعل، ومع الوقت تتحول هذه الطريقة إلى ثقافة تجعل الحوار مرهقًا، وتجعل التفاهم الحقيقي أمرًا نادرًا رغم كثرة الكلام.
[email protected]



